@ 387 @ ذلك ثابت في الصحيح ، وهو دليل قويّ على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا ، والعلم عند اللَّه تعالى . .
فروع تتعلق بهذه المسألة .
الفرع الأول : اعلم أن الظاهر اشتراط التصريح بموجب الحدّ الذي هو الزنى تصريحًا ينفي كل احتمال ؛ لأن بعض الناس قد يطلق اسم الزنى على ما ليس موجبًا للحدّ . .
ويدلّ لهذا قوله صلى الله عليه وسلم لماعز لما قال : إنه زنى ، ( لعلّك قَبَّلْتَ أو غمزت أو نظرت ) ؟ قال : لا ، قال : ( أفنكتها ) ؟ لا يَكْنِى ، قال : نعم ، قال : فعند ذلك أمر برجمه ، وهذا ثابت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس ، ويؤخذ منه التعريض للزاني بأن يستر على نفسه ، ويستغفر اللَّه فإنه غفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا . .
الفرع الثاني : اعلم أنه إذا تمّت شهادة الشهود الأربعة بالزنى فصدقهم الزاني المشهود عليه ، بأن أقرّ أنه زنى مرّة واحدة فصارت الشهادة تامّة ، والإقرار غير تامّ عند من يشترط أربعًا . .
الفرع الخامس : اعلم أنه إذا شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت ، واثنان أنه زنى بها في بيت آخر ، أو شهد كل اثنين عليه بالزنى في بلد غير البلد الذي شهد عليه فيه صاحباهما ، أو اختلفوا في اليوم الذي وقع فيه الزنى ، فقد اختلف أهل العلم هل قبل شهادتهم ، نظرًا إلى أنهم أربعة شهدوا بالزنى ، أو لا تقبل ؛ لأنه لم تشهد أربعة على زنى واحد ، فكلّ زنى شهد عليه اثنان ، ولا يثبت زنى باثنين . .
قال ابن قدامة في ( المغني ) : الجميع قذفة وعليهم الحدّ ، وبهذا قال مالك ، والشافعي ، واختار أبو بكر أنه لا حدّ عليهم ، وبه قال النخعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ، لأنهم كملوا أربعة ، ولنا أنه لم يكمل أربعة على زنى واحد ، فوجب عليهم الحدّ كما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما . فأمّا المشهود عليه ، فلا حدّ عليه في قولهم جميعًا ، وقال أبو بكر : عليه الحدّ ، وحكاه قولاً لأحمد ، وهذا بعيد ، فإنه لم يثبت زنى واحد بشهادة أربعة ، فلم يجب الحدّ ، ولأن جميع ما تعتبر له البيّنة يعتبر فيه كمالها في حقّ واحد ، فالموجب للحدّ أولى ؛ لأنه ممّا يحتاط فيه ويدرأ بالشبهات ؛ وقد قال أبو بكر : إنه لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة بيضاء ، وشهد اثنان أنه زنى بسوداء فهم قذفة ، ذكره القاضي عنه وهذا ينقض قوله ، انتهى منه . ثم قال : وإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت ، وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية منه أخرى ، وكانت الزاويتان متباعدتين ، فالقول فيهما كالقول في البيتين وإن كانتا متقاربتين كملت شهادتهم ، وحدّ المشهود عليه ، وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعي : لا حدّ عليه ، لأن شهادتهم لم تكمل ، ولأنهم اختلفوا في المكان ، فأشبه ما لو اختلفا في البيتين ، وعلى قول أبي بكر تكمل شهادتهم ، سواء تقاربت الزاويتان ، أو تباعدتا ، ولنا أنها إذا تقاربتا أمكن صدق الشهود ، بأن يكون ابتداء الفعل في إحداهما وتمامه في الأخرى أو ينسبه كل اثنين إلى إحدى الزاويتين لقربه منها فيجب قبول شهادتهم كما لو اتّفقوا ، بخلاف ما إذا كانتا متباعدتين ، فإنه لا يمكن كون المشهود به فعلاً واحدًا . .
فإن قيل : فقد يمكن أن يكون المشهود به فعلين ، فلم أوجبتم الحدّ مع الاحتمال ، والحدّ يدرأ بالشبهات ؟ .
قلنا : ليس هذا بشبهة ، بدليل ما لو اتّفقوا على موضع واحد ، فإن هذا يحتمل فيه والحدّ واجب ، والقول في الزمان كالقول في هذا ، وأنه متى كان بينهما زمن متباعد لا يمكن وجود الفعل الواحد في جميعه ، كطرفي النهار لم تكمل شهادتهم ، ومتى تقاربا كملت شهادتهم ، انتهى من ( المغني ) . .
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : قد رأيت كلام أهل العلم في هذا الفرع ، والظاهر أنه لا تكمل شهادة الأربعة إلا إذا شهدوا على فعل واحد في مكان متّحد ووقت متّحد ؛ فإن اختلفوا في الزمان أو المكان حدّوا ، لأنهما فعلان ، ولم يشهد على واحد منهما أربعة عدول ، فلم يثبت واحد منهما . والقول بتلفيق شهادتهم ، وضمّ شهادة بعضهم إلى شهادة بعض لا يظهر ، وقد علمت أن مالكًا وأصحابه زادوا أن تكون شهادة الأربعة على إيلاج متّحد ، فلو نظروا واحدًا بعد واحد مع اتّحاد الوقت والمكان لم تقبل عنده شهادتهم حتى ينظروا فرجه في فرجها نظرة واحدة في لحظة واحدة ، وله وجه . .
الفرع السادس : إن شهد اثنان أنه زنى بها في قميص أبيض ، وشهد اثنان أنه زنى بها في قميص أحمر ، أو شهد اثنان أنه زنى بها في ثوب كتان ، وشهد اثنان أنه زنى بها في ثوب خزّ . .
فقد اختلف أهل العلم هل تكمل شهادتهم أو لا ؟ فقال بعضهم : لا تكمل شهادتهم ؛ لأن كل اثنين منهما تخالف شهادتهما شهادة الاثنين الآخرين ، وممن روي عنه ذلك الشافعي ، وقال بعضهم : تكمل شهادتهم قائلاً : إنه لا تنافي بين الشهادتين ؛ لإمكان أن يكون عليه قميصان فذكر كل اثنين أحد القميصين ، وتركا ذكر الآخر ، فيكون الجميع صادقين ؛ لأن أحد الثوبين الذي سكت عنه هذان هو الذي ذكره ذانك كعكسه ، فلا تنافي ، ويمكن أن يكون عليها هي قميص أحمر ، وعليه هو قميص أبيض كعكسه ، أو عليه هو ثوب كتان ، وعليها هي ثوب خزّ كعكسه ، فيمكن صدق الجميع ؛ وإذا أمكن صدقهم فلا وجه لردّ شهادتهم ، وبهذا جزم صاحب المغني موجّهًا له بما ذكرنا . .
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : الذي يظهر لنا في هذا الفرع هو وجوب استفسار الشهود ، فإن جزم اثنان بأن عليه ثوبًا واحدًا أحمر ، وجزم الآخران أن عليه ثوبًا واحدًا أبيض لم تكمل شهادتهم لتنافي الشهادتين ، وإن اتّفقوا على أن عليه ثوبين مثلاً أحدهما أحمر ، والثاني أبيض ، وذكر كل اثنين أحد الثوبين ، فلا إشكال في كمال شهادتهم ؛ لاتّفاق الشهادتين . وإن لم يمكن استفسار الشهود لموتهم ، أو غيبتهم غيبة يتعذّر معها سؤالهم ، فالذي يظهر لي عدم كمال شهادتهم ؛ لاحتمال تخالف شهادتهما ، ومطلق احتمال اتّفاقهما لا يكفي في إقامة الحدّ ؛ لأن الحدّ يدرأ بالشبهات ، فلا يقام بشهادة محتملة البطلان ، بل الظاهر من الصيغة اختلاف الشهادتين والعمل بالظاهر لازم ، ما لم يقم دليل صارف عنه يجب الرجوع إليه . .
والذي يظهر أنهم إن لم تكمل شهادتهم يحدّون حدّ القذف . أمّا في الشهادة المحتملة فإنه قبل إمكان استفسارهم ، فلا إشكال في عدم إمكان حدهم وإن أمكن استفسارهم ، فإن فسروا . بما يقتضي كمال شهادتهم حدّ المشهود عليه بشهادتهم ، وإن فسّروا بما يوجب بطلان شهادتهم ، فالظاهر أنهم يحدّون حدّ القذف ؛ كما قدّمنا ، والعلم عند اللَّه تعالى . .
الفرع السابع : إن شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة ، وشهد اثنان أنه زنى بها مطاوعة ، فلا حدّ على المرأة إجماعًا ؛ لأن الشهادة عليها لم تكمل على فعل موجب للحدّ ، وإنما الخلاف في حكم الرجل والشهود . .
قال ابن قدامة في ( المغني ) : وفي الرجل وجهان : .
أحدهما : لا حدّ عليه ، وهو قول أبي بكر ، والقاضي وأكثر الأصحاب ، وقول أبي حنيفة ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي ؛ لأن البيّنة لم تكمل على فعل واحد ، فإن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة ، ولم يتمّ العدد على كل واحد من الفعلين ، ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين ، وذلك يمنع قبول الشهادة ، أو يكون شبهة في درء الحدّ ولا يخرج عن أن يكون قول واحد منهما مكذّبًا للآخر إلاّ بتقدير فعلين تكون مطاوعة في أحدهما ، مكرهة في الآخر ، وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد ، ولأن شاهدي المطاوعة قاذفان لها ، ولم تكمل البيّنة عليها ، فلا تقبل شهادتهما على غيرها . .
والوجه الثاني : أنه يجب الحدّ عليه ، اختاره أبو الخطاب ، وهو قول أبي يوسف ومحمّد ، ووجه ثان للشافعي ؛ لأن الشهادة كملت على وجود الزنى منه ، واختلافهما إنما هو في فعلها لا في فعله ، فلا يمنع كمال الشهادة عليه . .
وفي الشهود ثلاثة أوجه : .
أحدها : لا حدّ عليهم ، وهو قول من أوجب الحدّ على الرجل بشهادتهم . .
والثاني : عليهم الحدّ لأنهم شهدوا بالزنى ، ولم تكمل شهادتهم فلزمهم الحدّ ، كما لو لم يكمل عددهم . .
والثالث : يجب الحدّ على شاهدي المطاوعة ، لأنهما قذفا المرأة بالزنى ، ولم تكمل شهادتهم عليها ، ولا تجب على شاهدي الإكراه لأنهما لم يقذفا المرأة ، وقد كملت شهادتهم على الرجل ، وإنما انتفى عنه الحدّ للشبهة . .
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : قد رأيت خلاف أهل العلم في هذا الفرع ، وأظهر أقوالهم عندي فيه : أن الرجل والمرأة لا حدّ على واحد منهما ، وأن على الشهود الأربعة حدّ القذف . أمّا نفي الحدّ عن المرأة ، فلا خلاف فيه ، ووجهه ظاهر ؛ لأنها لم تكمل عليها شهادة بالزنى . وأمّا نفي الحدّ عن الرجل ، فلأن الاثنين الشاهدين بالمطاوعة يكذّبان الشاهدين بالإكراه كعكسه ، وإذا كان كل اثنين من الأربعة يكذّبان الآخرين في الحالة التي وقع عليها الفعل لم تكمل شهادتهم على فعل واحد ، فلم تكمل على الرجل شهادة على حالة زنى واحد ؛ لأن الإكراه والطوع أمران متنافيان ، وإذا لم تكمل عليه شهادة بفعل واحد على حالة واحدة فعدم حدّه هو الأظهر ، أمّا وجه حدّ الشهود ، فلأن الشاهدين على المرأة بأنها زنت مطاوعة للرجل قاذفان لها بالزنى ، ولم تكمل شهادتهما عليها فحدّهما لقذفهما المرأة ظاهر جدًّا ؛ ولأن الشاهدين بأنه زنى بها مكرهة قاذفان للرجل بأنه أكرهها فزنى بها ، ولم تكمل شهادتهم ؛ لأن شاهدي الطوع مكذبان لهما في دعواهما الإكراه فحدّهما لقذفهما للرجل ، ولم تكمل شهادتهما عليه ظاهر . أمّا كون الأربعة قد اتّفقت شهادتهم على أنه زنى بها ، فيردّه أن كل اثنين منهما يكذّبان الآخرين في الحالة التي وقع عليها الزنى ، هذا هو الأظهر عندنا من كلام أهل العلم في هذا الفرع ، والعلم عند اللَّه تعالى . .
ومن المعلوم أن كل ما يثبت به الرجم على المحصن يثبت به الجلد على البكر ، فثبوت الأمرين طريقه واحدة . .
الفرع الثامن : اعلم أنه إن شهد أربعة عدول على امرأة أنها زنت وتمّت شهادتهم على الوجه المطلوب ، فقالت إنها عذراء ، لم تزل بكارتها ونظر إليها أربع من النساء معروفات بالعدالة ، وشهدن بأنها عذراء لم تزل بكارتها بمزيل . فقد اختلف أهل العلم : هل تدرأ شهادة النساء عنها الحدّ أو لا ؟ فذهب مالك وأصحابه إلى أنها يقام عليها الحدّ ولا يلتفت لشهادة النساء ، وعبارة المدونة في ذلك : إذا شهد عليها بالزنى أربعة عدول ، فقالت : إنها عذراء ونظر إليها النساء ، وصدقنها لم ينظر إلى قولهن وأقيم عليها الحدّ . انتهى بواسطة نقل المواق في شرحه لقول خليل في مختصره ، وبالبيّنة فلا يسقط بشهادة أربع نسوة ببكارتها ، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن شهادة النساء ببكارتها تدرأ عنها الحدّ ، وهو مذهب الإمام أحمد . قال ابن قدامة في ( المغني ) : وبه قال الشعبي ، والثوري ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ووجه قول مالك وأصحابه بأنها يقام عليها الحدّ ، هو أن الشهادة على زناها تمّت بأربعة عدول ، وأن شهادة النساء لا مدخل لها في الحدود ، فلا تسقط بشهادتهن شهادة الرجال عليها بالزنى ، ووجه قول الآخرين بأنها لا تحدّ هو أن بكارتها ثبتت بشهادة النساء ، ووجود البكارة مانع من الزنى ظاهرًا ؛ لأن الزنى لا يحصل بدون الإيلاج في الفرج ، ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة ، لأن البكر هي التي لم توطأ في قُبُلِهَا ، وإذا انتفى الزنى لم يجب الحدّ ، كما لو قامت البيّنة بأن المشهود عليه الزنى مجبوب . .
وقال ابن قدامة في ( المغني ) : ويجب أن يكتفى بشهادة امرأة واحدة ، لأنها مقبولة فيما لا يطّلع عليه الرجال ، يعني البكارة المذكورة ، انتهى . وأمّا الأربعة الذين شهدوا بالزنى فلا حدّ عليهم لتمام شهادتهم وهي أقوى من شهادة النساء بالبكارة . .
وقال صاحب ( المغني ) : وإنما لم يجب الحدّ عليهم لكمال عدّتهم ، مع احتمال صدقهم لأنه يحتمل أن يكون وطئها ، ثم عادت عذرتها ، فيكون ذلك شبهة في درء الحدّ عنهم . وأمّا إن شهدت بيّنة على رجل بالزنى فثبت ببيّنة أخرى أنه مجبوب ، أو شهدت بيّنة على امرأة بالزنى فثبت ببيّنة أخرى أنها رتقاء ، فالظاهر وجوب حدّ القذف على بيّنة الزنى ، لظهور كذبها ؛ لأن المجبوب من الرجال والرتقاء من النساء لا يمكن حصول الزنى من واحد منهما ، كما هو معلوم . .
المسألة الثانية : اعلم أن العلماء أجمعوا على ثبوت الزنى ، ووجوب الحدّ رجمًا كان أو جلدًا بإقرار الزاني والزانية ، ولكنهم اختلفوا هل يثبت الزنى بإقرار الزاني مرة واحدة ، أو لا يكفي ذلك حتى يقرّ به أربع مرات ؟ فذهب الإمام أحمد ، وأبو حنيفة ، وابن أبي ليلى ، والحكم : إلى أنه لا يثبت إلا إذا أقرّ به أربع مرات ، وزاد أبو حنيفة وابن أبي ليلى : أن يكون ذلك في أربع مجالس ، ولا تكفي عندهما الإقرارات الأربعة في مجلس واحد . وذهب مالك ، والشافعي ، والحسن ، وحمّاد ، وأبو ثور ، وابن المنذر إلى أن الزّنى يثبت بالإقرار مرّة واحدة . .
أمّا حجج من قال يكفي الإقرار به مرة واحدة ، فمنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأنيس في الحديث الصحيح المشهور : ( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ) ، فاعترفت فرجمها . وفي رواية في الصحيح : فأعترفت فأمر بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فرجمت ، قالوا : فهذا الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة ، وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه عنهما ظاهرًا ظهورًا واضحًا في أن الزنى يثبت بالاعتراف به مرّة واحدة ؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم فيه : ( فإن اعترفت فارجمها ) ، ظاهر في الاكتفاء بالاعتراف مرة واحدة ، إذ لو كان الاعتراف أربع مرّات لا بدّ منه لقال له صلى الله عليه وسلم : فإن اعترفت أربع مرّات فارجمها ، فلمّا لم يقل ذلك عرفنا أن المرة الواحدة تكفي ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كما هو معلوم . .
ومن أدلّتهم على الاكتفاء بالاعتراف بالزنى مرة واحدة ما ثبت في الصحيح من حديث عمران بن حصين رضي اللَّه عنهما : أن امرأة من جهينة أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى ، فقالت : يا نبيّ اللَّه ، أصبت حدًّا فأقمه عليّ ، فدعا النبيّ صلى الله عليه وسلم وليّها فقال : ( أحسن إليها فإذا وضعت فأْتني بها ) ، ، ففعل فأمر بها النبيّ صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلّى عليها ، فقال له عمر : تصلّي عليها يا نبيّ اللَّه وقد زنت ؟ فقال : ( لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى ) ، هذا لفظ مسلم في صحيحه ، وهو نصّ صحيح في أنه صلى الله عليه وسلم ، أمر برجمها بإقرارها مرة واحدة ؛ لأنها قالت : إني أصبت حدًّا ، مرة واحدة ، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر برجمها من غير تعدّد الإقرار ؛ لأن الحديث لم يذكر فيه إلا إقرارها مرة واحدة . .
ومن أدلّتهم على ذلك أيضًا : ما ثبت في الصحيح من قصّة الغامدية التي جاءت النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، إني قد زنيت فطهّرني ، وأنه ردّها ، فلمّا كان من الغد ، قالت : يا رسول اللَّه ، لم تردّني لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا ، فواللَّه إني لحبلى ، فقال : ( أما لا فاذهبي حتى تلدي ) ، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة ، قالت : هذا قد ولدتّه ، قال : ( اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه ) ، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز ، فقالت : هذا يا نبيّ اللَّه ، قد فطمته وقد أكل الطعام ، فدفع الصبيّ إلى رجل من السلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها ، وأمر الناس فرجموها ، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد ، فسبّها ، فسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم سبّه إياها ، فقال : ( مهلاً يا خالد ، فوالذي نفسي بيده ، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ) ، ثم أمر بها فصلّي عليها ودفنت ، هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن بريدة ، عن أبيه ، وهو من أصرح الأدلّة على الاكتفاء بإقرار الزاني بالزنا مرة واحدة ؛ لأن الغامدية المذكورة لمّا قالت له صلى الله عليه وسلم : لعلّك أن تردّني كما رددت ماعزًا ، لم ينكر ذلك عليها ، ولو كان الإقرار أربع مرّات شرطًا في لزوم الحدّ لقال لها إنما رددته ، لكونه لم يقرّ أربعًا . .
وقد قال الشوكاني في ( نيل الأوطار ) ، بعد ذكره لهذه الواقعة : وهذه الواقعة من أعظم الأدلّة الدالَّة على أن تربيع الإقرار ، ليس بشرط للتصريح فيها ، بأنها متأخرة عن قضية ماعز ، وقد اكتفى فيها بدون أربع كما سيأتي ، اه منه . .
وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه ، ما نصّه : قال : ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد ، فقالت : يا رسول اللَّه طهّرني ، فقال : ( ويحك ارجعي فاستغفري اللَّه وتوبي إليه ) ، فقالت : أراك تريد أن تردّني كما رددت ماعز بن مالكا قال : ( وما ذاك ) ؟ قالت : إنها حبلى من الزنا ، فقال : ( آنت ) ؟ قالت : نعم ، فقال لها : ( حتى تضعي ما في بطنك ) ، قال : فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت ، قال : فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال : قد وضعت الغامدية ، فقال : ( إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه ) ، فقام رجل من الأنصار فقال : إليّ رضاعه يا نبيّ اللَّه ، قال : فرجمها ، اه منه . .
وهذه الرواية كالتي قبلها في الدلالة على الاكتفاء بالإقرار مرّة واحدة إلى غير ذلك من الأدلّة الدّالة على عدم اشتراط تكرّر الإقرار بالزنا أربعًا ، وأمّا حجة من قالوا : يشترط في ثبوت الإقرار بالزنا ، أن يقرّ به أربع مرّات ، وأنه لا يجب عليه الحدّ إلا بالإقرار أربعًا ، فهي ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه المتفق عليه ، قال : أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجل من الناس وهو في المسجد ، فناداه : يا رسول اللَّها إني زنيت ، يريد نفسه ، فأعرض عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم فتنحّى لشقّ وجهه الذي أعرض قبله ، فقال : يا رسول اللَّها إني زنيت ، فأعرض عنه ، فجاء لشقّ وجه النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي أعرض عنه ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( أبك جنون ) ؟ قال : لا يا رسول اللَّه ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ( أحصنت ) ؟ قال : نعم ، قال : ( اذهبوا فارجموه ) ، الحديث . هذا لفظ البخاري في صحيحه ، ولفظ مسلم : فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( أبك جنون ) ؟ قال : لا ، قال : ( فهل أحصنت ) ؟ قال : نعم ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ( اذهبوا به فارجموه ) اه . .
قالوا : فهذا الحديث المتفق عليه فيه ترتيب الرجم على أربع شهادات على نفسه ، أي : أربع إقرارات بصيغة ترتيب الجزاء على الشرط ؛ لأن لما مضمنة معنى الشرط وترتيب الحدّ على الأربع ترتيب الجزاء على شرطه ، دليل على اشتراط الأربع المذكورة ، والرجل المذكور في هذا الحديث ، هو ماعز بن مالك وقصّته مشهورة صحيحة ، وفي ألفاظ رواياتها ما يدلّ على أنه لم يرجمه ، حتى شهد على نفسه أربع شهادات ؛ كما رأيت في الحديث المذكور آنفًا ، وقد علمت مما ذكرنا ما استدلّ به كل واحد من الفريقين . .
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة عندي : هو الجمع بين الأحاديث الدالّة على اشتراط الأربع ، والأحاديث الدالّة على الاكتفاء بالمرة الواحدة ؛ لأن الجمع بين الأدلّة واجب متى ما أمكن ، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ووجه الجمع المذكور هو حمل الأحاديث التي فيها التراخي ، عن إقامة الحدّ بعد صدور الإقرار مرّة على من كان أمره مُلْتبسًا في صحّة عقله ، واختلاله ، وفي سكره ، وصحوه من السكر ، ونحو ذلك . وحمل أحاديث إقامة الحدّ بعد الإقرار مرّة واحدة على من عرفت صحة عقله وصحوه من السكر ، وسلامة إقراره من المبطلات ، وهذا الجمع رجحه الشوكاني في ( نيل الأوطار ) . .
ومما يؤيّده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلّها في قصّة ماعز ، وقد دلّت روايات حديثه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يدري أمجنون هو أم لا ؟ صاحٍ هو أو سكران ؟ بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه المذكور آنفًا : ( أبك جنون ) ؟ وسؤاله صلى الله عليه وسلم لقومه عن عقله ، وسؤاله صلى الله عليه وسلم : ( أشرب خمرًا ) ؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ، وكل ذلك ثابت في الصحيح ، وهو دليل قويّ على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا ، والعلم عند اللَّه تعالى . .
فروع تتعلق بهذه المسألة .
الفرع الأول : اعلم أن الظاهر اشتراط التصريح بموجب الحدّ الذي هو الزنى تصريحًا ينفي كل احتمال ؛ لأن بعض الناس قد يطلق اسم الزنى على ما ليس موجبًا للحدّ . .
ويدلّ لهذا قوله صلى الله عليه وسلم لماعز لما قال : إنه زنى ، ( لعلّك قَبَّلْتَ أو غمزت أو نظرت ) ؟ قال : لا ، قال : ( أفنكتها ) ؟ لا يَكْنِى ، قال : نعم ، قال : فعند ذلك أمر برجمه ، وهذا ثابت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس ، ويؤخذ منه التعريض للزاني بأن يستر على نفسه ، ويستغفر اللَّه فإنه غفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا . .
الفرع الثاني : اعلم أنه إذا تمّت شهادة الشهود الأربعة بالزنى فصدقهم الزاني المشهود عليه ، بأن أقرّ أنه زنى مرّة واحدة فصارت الشهادة تامّة ، والإقرار غير تامّ عند من يشترط أربعًا . .
فأظهر قولي أهل العلم عندي : أن الحدّ يقام عليه لكمال البيّنة خلافًا لمن زعم أنه لا يقام عليه الحدّ ؛ لأن شرط صحة البيّنة الإنكار ، وهذا غير منكر . .
وقال ابن قدامة في ( المغني ) : إن سقوط الحدّ بإقراره مرة قول أبي حنيفة اه . وكذلك لو تمّت عليه شهادة البيّنة وأقرّ على نفسه أربع مرّات ، ثم رجع عن إقراره ، فلا ينفعه الرجوع لوجوب الحدّ عليه بشهادة البيّنة ، فلا حاجة لإقراره ولا فائدة في رجوعه عنه ، والعلم عند اللَّه تعالى . .
الفرع الثالث : اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي : أنه إذا أقرّ بزنى قديم قبل إقراره ، ولا يبطل الإقرار بأنه لم يقرّ إلا بعد زمن طويل ؛ لأن الظاهر اعتبار الإقرار مطلقًا ، سواء تقادم عهده ، أو لم يتقادم ، وكذلك شهادة البيّنة ، فإنها تقبل ، ولو لم تشهد إلا بعد طول الزمن ؛ لأن عموم النصوص يقتضي ذلك ، لأنها ليس فيها التفريق بين تعجيل الشهادة وتأخيرها ، خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه في قولهم : إن الإقرار يقبل بعد زمن طويل والشهادة لا تقبل مع التأخير . .
وقال ابن قدامة في ( المغني ) : وإن شهدوا بزنى قديم أو أقرّ به وجب الحد ، وبهذا