@ 386 @ نفسه ، فأعرض عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم فتنحّى لشقّ وجهه الذي أعرض قبله ، فقال : يا رسول اللَّها إني زنيت ، فأعرض عنه ، فجاء لشقّ وجه النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي أعرض عنه ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( أبك جنون ) ؟ قال : لا يا رسول اللَّه ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ( أحصنت ) ؟ قال : نعم ، قال : ( اذهبوا فارجموه ) ، الحديث . هذا لفظ البخاري في صحيحه ، ولفظ مسلم : فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( أبك جنون ) ؟ قال : لا ، قال : ( فهل أحصنت ) ؟ قال : نعم ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ( اذهبوا به فارجموه ) اه . .
قالوا : فهذا الحديث المتفق عليه فيه ترتيب الرجم على أربع شهادات على نفسه ، أي : أربع إقرارات بصيغة ترتيب الجزاء على الشرط ؛ لأن لما مضمنة معنى الشرط وترتيب الحدّ على الأربع ترتيب الجزاء على شرطه ، دليل على اشتراط الأربع المذكورة ، والرجل المذكور في هذا الحديث ، هو ماعز بن مالك وقصّته مشهورة صحيحة ، وفي ألفاظ رواياتها ما يدلّ على أنه لم يرجمه ، حتى شهد على نفسه أربع شهادات ؛ كما رأيت في الحديث المذكور آنفًا ، وقد علمت مما ذكرنا ما استدلّ به كل واحد من الفريقين . .
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة عندي : هو الجمع بين الأحاديث الدالّة على اشتراط الأربع ، والأحاديث الدالّة على الاكتفاء بالمرة الواحدة ؛ لأن الجمع بين الأدلّة واجب متى ما أمكن ، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ووجه الجمع المذكور هو حمل الأحاديث التي فيها التراخي ، عن إقامة الحدّ بعد صدور الإقرار مرّة على من كان أمره مُلْتبسًا في صحّة عقله ، واختلاله ، وفي سكره ، وصحوه من السكر ، ونحو ذلك . وحمل أحاديث إقامة الحدّ بعد الإقرار مرّة واحدة على من عرفت صحة عقله وصحوه من السكر ، وسلامة إقراره من المبطلات ، وهذا الجمع رجحه الشوكاني في ( نيل الأوطار ) . .
ومما يؤيّده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلّها في قصّة ماعز ، وقد دلّت روايات حديثه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يدري أمجنون هو أم لا ؟ صاحٍ هو أو سكران ؟ بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه المذكور آنفًا : ( أبك جنون ) ؟ وسؤاله صلى الله عليه وسلم لقومه عن عقله ، وسؤاله صلى الله عليه وسلم : ( أشرب خمرًا ) ؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ، وكل