@ 397 @ .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة وحججهم ، فاعلم أن كل طائفة منهم ترجّح قولها على قول الأخرى . .
أمّا الذين قالوا : يجمع بين الجلد والرجم للمحصن ، فقد قالوا هذا القول ، هو أرجح الأقوال ، ولا ينبغي العدول عنه ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم صرّح في حديث عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه أن المحصن يجلد ويرجم بالحجارة ، فهو حديث صحيح صريح في محل النزاع ، فلا يعارض بعدم ذكر الجلد في قصة ماعز ، والجهنية ، والغامدية ، واليهوديين ؛ لأن ما صرّح به النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يعدل عنه بأمر محتمل ، ويجوز أن يكون الجلد وقع لماعز ومن ذكر معه ولم يذكره الرواة ؛ لأن عدم ذكره لا يدلّ دلالة قطعية على عدم وقوعه ، لأن الراوي قد يتركه لظهوره ، وأنه معروف عند الناس جلد الزاني ، قالوا : والمحصن داخل قطعًا في عموم { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } ، وهذا العموم القرءاني لا يجوز العدول عنه ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، وعدم ذكر الجلد مع الرجم لا يعارض الأدلّة الصريحة في القرءان ، والسنّة الصحيحة . قالوا : وعمل أمير المؤمنين عليّ رضي اللَّه عنه به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم دليل على أنه لم ينسخ ، ولم يعلم أن أحدًا من الصحابة أنكر عليه ذلك ، ولا تخفى قوّة هذا الاستدلال الذي استدلّ به أهل هذا القول . .
وأمّا الذين قالوا : بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد ، فقد رجحوا أدلّتهم بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت ، الذي فيه التصريح بالجمع بين الرجم والجلد ، والعمل بالمتأخر أولى . والحق أنها متأخرة عن حديث عبادة المذكور ؛ كما يدلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( قد جعل اللَّه لهنّ سبيلاً ) ، فهو دليل على أن حديث عبادة ، هو أول نصّ ورد في حدّ الزنا كما هو ظاهر من الغاية في قوله تعالى : { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } ، قالوا : ومن أصرح الأدلّة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده : ( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه ) ، وهذا قسم منه صلى الله عليه وسلم أنه يقضي بينهما بكتاب اللَّه ، ثم قال في الحديث الذي أقسم على أنه قضاء بكتاب اللَّه : ( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ) ، قالوا : إن قوله : ( فإن اعترفت ) شرط ، وقوله : ( فارجمها ) جزاء هذا الشرط ، فدلّ الربط بين الشرط ، وجزائه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده ، وأن ذلك قضاء بكتاب اللَّه تعالى .