@ 415 @ الحدّ لما قدمنا من حديث أبي داود وغيره أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لهم لما تبعوا ماعزًا بعد هربه : ( ألا تركتموه ؟ ) ، وفي رواية : ( هلاّ تركتموه ؟ فلعلّه يتوب فيتوب اللَّه عليه ) ، وفي ذلك دليل على قبول رجوعه ، وعليه أكثر أهل العلم ، وهو الحقّ إن شاء اللَّه تعالى . وأمّا رجوع البيّنة أو بعضهم فلم أعلم فيه بخصوصه نصًّا من كتاب ولا سنّة ، والعلماء مختلفون فيه . .
واعلم : أن له حالتين : .
إحداهما : أن يكون رجوعهم ، أو رجوع بعضهم قبل إقامة الحدّ على الزاني بشهادتهم . .
والثانية : أن يكون رجوعهم ، أو رجوع بعضهم بعد إقامة الحدّ عليه ، والحدّ المذكور قد يكون جلدًا ، وقد يكون رجمًا ، فإذا رجعوا كلّهم أو واحد منهم قبل إقامة الحدّ ، فقد قال في ذلك ابن قدامة في ( المغني ) : فإن رجعوا عن الشهادة ، أو واحد منهم فعلى جميعهم الحدّ في أصحّ الروايتين ، وهو قول أبي حنيفة . والثانية : يحدّ الثلاثة دون الراجع ، وهو اختيار أبي بكر ، وابن حامد ؛ لأنه إذا رجع قبل الحدّ فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله ، فسقط عنه الحدّ ، ولأن في درء الحدّ عنه تمكينًا له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة المشهود عليه . وفي إيجاب الحدّ زجر له عن الرجوع خوفًا من الحدّ ، فتفوت تلك المصلحة ، وتتحقّق المفسدة ، فناسب ذلك نفي الحدّ عنه . وقال الشافعي : يحدّ الراجع دون الثلاثة ؛ لأنه مقرّ على نفسه بالكذب في قذفه . وأمّا الثلاثة فقد وجب الحدّ بشهادتهم ، وإنما سقط بعد وجوبه برجوع الراجع ، ومن وجب الحدّ بشهادته لم يكن قاذفًا فلم يحدّ ، كما لو لم يرجع . ولنا أنه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحدّ ، فلزمهم الحدّ كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة ، وقولهم : وجب الحدّ بشهادتهم يبطل بما إذا رجعوا كلّهم ، وبالراجع وحده ، فإن الحدّ وجب ، ثم سقط ، ووجب الحدّ عليهم بسقوطه ، ولأن الحدّ إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه ، وإسقاط الحدّ عن المشهود عليه بعد وجوبه ، وإحيائه المشهود عليه بعد إشرافه على التلف فعلى غيره أولى ، انتهى من ( المغني ) . .
وحاصله : أنهم إن رجعوا كلّهم حدّوا كلّهم ، وإن رجع بعضهم ، ففي ذلك ثلاثة أقوال : .
الأول : يحدّون كلهم .