@ 427 @ حتى ينتهي أجل عدّتها ، وقد صرّح اللَّه بأن الحوامل أجلهن أن يضعن حملهن ، فيجب استصحاب هذا العموم ، ولا يخرج منه إلا ما أخرجه دليل من كتاب أو سنّة . .
الفرع الثالث : اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي أن الزانية والزاني إن تابا من الزنا وندما على ما كان منهما ونويا أن لا يعودا إلى الذنب ، فإن نكاحهما جائز ، فيجوز له أن ينكحها بعد توبتهما ، ويجوز نكاح غيرهما لهما بعد التوبة ؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، ويدلّ لهذا قوله تعالى : { وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَاهَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ } ، فقد صرّح جلّ وعلا في هذه الآية أن الذين يزنون ومن ذكر معهم إن تابوا وآمنوا ، وعملوا عملاً صالحًا يبدّل اللَّه سيّئاتهم حسنات ، وهو يدلّ على أن التوبة من الزنا ، تذهب أثره . فالذين قالوا : إن من زنا بامرأة لا تحلّ له مطلقًا ، ولو تابا وأصلحا فقولهم خلاف التحقيق ، وقد وردت آثار عن الصحابة بجواز تزويجه بمن زنى بها إن تابا ، وضرب له بعض الصحابة مثلاً برجل سرق شيئًا من بستان رجل آخر ، ثم بعد ذلك اشترى البستان فالذي سرقه منه حرام عليه ، والذي اشتراه منه حلال له ، فكذلك ما نال من المرأة حرامًا فهو حرام عليه ، وما نال منها بعد التوبة والتزويج حلال له ، والعلم عند اللَّه تعالى . .
واعلم أن قول من ردّ الاستدلال بآية : { وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَاهَا ءاخَرَ } ، قائلاً : إنها نزلت في الكفار لا في المسلمين ، يردّ قوله : أَن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما أوضحنا أدلّته من السنّة الصحيحة مرارًا ، والعلم عند اللَّه تعالى . .
الفرع الرابع : اعلم أن الذين قالوا بجواز نكاح العفيف الزانية ، لا يلزم من قولهم أن يكون زوج الزانية العفيف ديوثًا ؛ لأنه إنما يتزوّجها ليحفظها ، ويحرسها ، ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي منعًا باتًّا بأن يراقبها دائمًا ، وإذا خرج ترك الأبواب مقفلة دونها ، وأوصى بها من يحرسها بعده فهو يستمتع بها ، مع شدّة الغيرة والمحافظة عليها من الريبة ، وإن جرى منها شىء لا علم له به مع اجتهاده في صيانتها وحفظها فلا شىء عليه فيه ، ولا يكون به ديوثًا ، كما هو معلوم . وقد علمت ممّا مرّ أن أكثر أهل العلم على جواز نكاح العفيف الزانية كعكسه ، وأن جماعة قالوا بمنع ذلك .