@ 432 @ أبدًا إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم ، بل يقول : إن شهادة القاذف لا تقبل أبدًا ، ولو تاب وأصلح ، وصار أعدل أهل زمانه لرجوع الاستثناء عنده للجملة الأخيرة . .
وممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم : القاضي شريح ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، وعبد الرحمان بن زيد بن جابر ، وقال الشعبي والضحاك : لا تقبل شهادته إلا إذا اعترف على نفسه بالكذب ، قاله ابن كثير . .
وقال جمهور أهل العلم ، منهم الأئمة الثلاثة : إن الاستثناء في الآية راجع أيضًا لقوله : { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } ، وأن القاذف إذا تاب وأصلح قبلت شهادته . أمّا قوله : { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } ، فلا يرجع له الاستثناء ؛ لأن القاذف إذا تاب وأصلح ، لا يسقط عنه حدّ القذف بالتوبة . .
فتحصّل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله : { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، يرجع لها الاستثناء بلا خلاف . وأن الجملة الأولى التي هي : { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } ، لا يرجع لها الاستثناء في قول عامّة أهل العلم ، ولم يخالف إلاّ من شذّ ، وأن الجملة الوسطى ، وهي قوله : { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } ، يرجع لها الاستثناء في قول جمهور أهل العلم ، منهم الأئمّة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة ، وقد ذكرنا في كتابنا : دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، أن الذي يظهر لنا في مسألة الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره بعض المتأخّرين ، كابن الحاجب من المالكية ، والغزالي من الشافعية ، والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء الآتي بعد متعاطفات هو الوقف ، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع ، ولا إلى الأخيرة إلا بدليل . .
وإنما قلنا : إن هذا هو الأظهر ؛ لأن اللَّه تعالى يقول : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } . .
وإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى اللَّه وجدنا القرءان دالاً على ما ذكرنا أنه الأظهر عندنا ، وهو الوقف . وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها الاستثناء للأولى ، وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة ، فدلّ ذلك على أن رجوعه لما قبله ليس شيئًا مطردًا . .
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } ، فالاستثناء في هذه الآية راجع للدية فقط ؛ لأن المطالبة بها تسقط
