@ 435 @ الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ( من قذف عبده بالزنى أقيم عليه الحدّ يوم القيامة إلاّ أن يكون كما قال ) اه . وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح : ( أقيم عليه الحدّ يوم القيامة ) ، يدلّ على أنه لا يقام عليه الحدّ في الدنيا وهو كذلك ، وهذا لا نزاع فيه بين من يعتدّ به من أهل العلم . .
قال القرطبي : قال العلماء : وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك واستواء الشريف والوضيع والحرّ والعبد ، ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى ، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة ، واقتصّ لكل واحد من صاحبه إلاّ أن يعفو المظلوم ، انتهى محل الغرض من كلام القرطبي . .
المسألة الخامسة : اعلم أن العلماء أجمعوا على أنه إذا صرّح في قذفه له بالزنى ، كان قذفًا ورميًا موجبًا للحدّ ، وأما إن عرض ولم يصرح بالقذف ، وكان تعريضه يفهم منه بالقرائن أنه يقصد قذفه ؛ كقوله : أما أنا فلست بزان ، ولا أُمي بزانية ، أو ما أنت بزان ما يعرفك الناس بالزنى ، أو يا حلال بن الحلال ، أو نحو ذلك . .
فقد اختلف أهل العلم : هل يلزم القذف بالتعريض المفهم للقذف ، وإن لم يصرّح أو لا يحد حتى يصرح بالقذف تصريحًا واضحًا لا احتمال فيه ؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التعريض لا يوجب الحدّ ، ولو فهم منه إرادة القذف ، إلا أن يقرّ أنه أراد به القذف . .
قال ابن قدامة في ( المغني ) : وهذا القول هو رواية حنبل عن الإمام أحمد ، وهو ظاهر كلام الخرقي ، واختيار أبي بكر ، وبه قال عطاء ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، والثوري ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ، وابن المنذر ، واحتجّ أهل هذا القول بكتاب وسنّة . .
أمّا الكتاب فقوله تعالى : { خَبِيرٌ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِسَاء } ، ففرّق تعالى بين التصريح للمعتدة والتعريض ، قالوا : ولم يفرّق اللَّه بينهما في كتابه ، إلاّ لأن بينهما فرقًا ، ولو كانا سواء لم يفرّق بينهما في كتابه . .
وأمّا السنّة : فالحديث المتفق عليه ، الذي قدمناه مرارًا في الرجل الذي جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وقال له : إن امرأتي ولدت غلامًا أسود وهو تعريض بنفيه ، ولم يجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا قذفًا ، ولم يدعهما للعان بل قال للرجل : ( ألك إبل ) ؟ قال : نعم ، قال : ( فما ألوانها ) ؟
