@ 436 @ قال : حمر ، قال : ( هل فيها من أورق ) ؟ قال : إن فيها لورقًا ، قال : ( ومن أين جاءَها ذلك ) ؟ قال : لعل عرقًا نزعه ، قال : ( وهذا الغلام الأسود لعل عرقًا نزعه ) ، قالوا : ولأن التعريض محتمل لمعنى آخر غير القذف ، وكل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفًا ، هذا هو حاصل حجّة من قالوا : بأن التعريض بالقذف ، لا يوجب الحدّ وإنما يجب الحدّ بالتصريح بالقذف . .
وذهبت جماعة آخرون من أهل العلم إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحدّ ، وهو مذهب مالك وأصحابه . وقال ابن قدامة في ( المغني ) : وروى الأثرم وغيره ، عن الإمام أحمد أن عليه الحدّ ، يعني المعرض بالقذف ، قال : وروي ذلك عن عمر رضي اللَّه عنه ، وبه قال إسحاق إلى أن قال : وقال معمر : إن عمر كان يجلد الحدّ في التعريض ، اه . .
واحتجّ أهل هذا القول بأدلّة منها ما ذكره القرطبي ، قال : والدليل لما قاله مالك : هو أن موضوع الحدّ في القذف ، إنما هو لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف ، وإذا حصلت المعرة بالتعريض ، وجب أن يكون قذفًا كالتصريح والمعول على الفهم ، وقد قال تعالى مخبرًا عن قوم شعيب أنهم قالوا له : { إِنَّكَ لاَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } ، أي : السفيه الضال ، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسب ما تقدم في سورة ( هود ) . وقال تعالى في أبي جهل : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } ، وقال تعالى في الذين قذفوا مريم أنهم قالوا : { فَرِيّاً ياأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } ، فمدحوا أباها ، ونفوا عن أُمّها البغاء ، أي : الزنى وعرضوا لمريم بذلك ، ولذلك قال تعالى : { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً } ، وكفرهم معروف والبهتان العظيم هو التعريض لها ، أي : { مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } ، أي : أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد . وقال تعالى : { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ } ، فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى ، وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الهدى ، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه ، اه محل الغرض من كلام القرطبي مع تصرف قليل لإيضاح المراد . .
وحاصل كلام القرطبي المذكور : أن من أدلّة القائلين بوجوب الحدّ بالتعريض آيات قرءانية ، وبيّن وجه دلالتها على ذلك كما رأيته ، وذكر أن من أدلّتهم أن المعرة اللاحقة