@ 112 @ .
وقدمنا معاني إطلاق الرحمة ، في القرآن في سورة فاطر ، في الكلام على قوله تعالى { مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } . .
وقوله تعالى في هذه الآية { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } يعني أنه تعالى لم يفوض إليهم أمر معايشهم وحظوظهم ، في الدنيا ، بل تولى هو جل وعلا قسمة ذلك بينهم ، فجعل هذا غنياً ، وهذا فقيراً ، وهذا رفيعاً ، وهذا وضيعاً ، وهذا خادماً ، وهذا مخدوعاً ، ونحو ذلك فإذا لم يفوض إليهم ، حظوظهم في الدنيا ، ولم يحكمهم فيها . .
بل كان تعالى هو المتصرف فيها بما شاء كيف شاء ، فكيف يفوض إليهم أمر إنزال الوحي حتى يتحكموا في من ينزل إليه الوحي ؟ .
فهذا مما لا يعقل ولا يظنه إلا غبي جاهل كالكفار المذكورين . .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } التحقيق إن شاء الله أنه من التسخير . .
ومعنى تسخير بعضهم لبعض ، خدمة بعضهم البعض ، وعمل بعضهم لبعض ، لأن نظام العالم في الدنيا ، يتوقف قيامه على ذلك ، فمن حكمته جل وعلا ، أن يجعل هذا فقيراً مع كونه قوياً قادراً على العمل ، ويجعل هذا ضعيفاً لا يقدر على العمل بنفسه ، ولكنه تعالى يهيىء له دراهم ، يؤجر بها ذلك الفقير القوي فينتفع القوي بدراهم الضعيف ، والضعيف بعمل القوي فتنتظم المعيشة ، لكل منهما وهكذا . .
وهذه المسائل التي ذكرها الله جل وعلا ، في هذه السورة الكريمة جاءت كلها موضحة في آيات أخر من كتاب الله . .
أما زعمهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم أنقص شرفاً ، وقدراً من أن ينزل عليه الوحي ، فقد ذكره الله عنهم في ( ص ) في قوله تعالى { أَءَنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل هُمْ فَى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى } . .
فقول كفار مكة { أَءَنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا } معناه إنكارهم ، أن يخصه الله بإنزال الوحي من بينهم ، لزعمهم أن فيهم من هو أحق بالوحي منه ، لكثرة ماله ، وجاهه وشرفه فيهم .
