@ 339 @ .
مع أن الإخبار عن جميع ما ذكر إخبار عن محسوس ، والتقليد الذي استدلوا به عليه إخبار عن معقول مظنون . .
والفرق بين الأمرين قدمناه قريباً ، فليس شيء من ذلك تقليداً أعمى بدون حجة . .
وأما استدلالهم على التقليد المذكور بجواز شراء اللحوم والثياب والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها اكتفاء بتقليد أربابها . .
فهو ظاهر السقوط أيضاً . .
لأن الاكتفاء بقول الذابح والبائع ليس بتقليد أعمى في حكم ديني لهما . .
وإنما هو عمل بالأدلة الشرعية ، لأنها دلت على أن ما في أسواق المسلمين من اللحوم والسلع محمول على الجواز والصحة ، حتى يظهر ما يخالف ذلك . .
ومما يدل على ذلك ، ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت ( إن قوماً قالوا يا رسول الله : إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ فقال : سموا عليه أنتم وكلوا ، قال : وكانوا حديثي عهد بالكفر ) قال المجد في المنتقى بعد أن ساق الحديث : رواه البخاري والنسائي وابن ماجه ، وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد . اه منه . .
وقد أجمع العلماء على هذا ، فالعمل به عمل بالدليل الشرعي . .
لأن الله لو كلف الناس ألا يشتري أحد منهم شيئاً حتى يعلم حليته فوقعوا في حرج عظيم تتعطل به المعيشة ويختل به نظامها . .
فأجاز الله تعالى ذلك برفع الحرج كما قال تعالى { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } فالاستدلال به على التقليد الأعمى فاسد ، لأنه أخذ بالحجة والدليل ، وليس من التقليد . .
وأما استدلالهم على التقليد بأن الله لو كلف الناس كلهم الاجتهاد ، وأن يكونوا علماء ضاعت مصالح العباد ، وتعطلت الصنائع والمتاجر ، وهذا مما لا سبيل إليه شرعاً وقدراً . .
فهو ظاهر السقوط أيضاً . .
ومن أوضح الأدلة على سقوطه أن القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير ، لم يكن فيهم تقليد رجل واحد بعينه هذا التقليد الأعمى .