@ 307 @ وعظ من اقتحم محارم الله ، ولم يصغ للنصيحة ، بل استمر على اعتدائه وطغيانه ، فإنه لا بد أن يعاقبهم الله ، إما بهلاك ، أو عذاب شديد . فقال الواعظون : نعظهم وننهاهم ! 2 < معذرة إلى ربكم > 2 ! ، أي : لنعذر فيهم . ! 2 < ولعلهم يتقون > 2 ! أي : يتركون ما هم فيه من المعصية ، فلا نيأس من هدايتهم ، فربما نجح فيهم الوعظ ، وأثر فيهم اللوم . وهذا هو المقصود الأعظم ، من إنكار المنكر ، ليكون معذرة ، وإقامة حجة على المأمور المنهي ، ولعل الله أن يهديه ، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر ، والنهي . ! 2 < فلما نسوا ما ذكروا به > 2 ! أي : تركوا ما ذكروا به ، واستمروا على غيهم واعتدائهم . ! 2 < أنجينا الذين ينهون عن السوء > 2 ! وهكذا سنة الله في عباده ، أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر . ! 2 < وأخذنا الذين ظلموا > 2 ! وهم الذين اعتدوا في السبت ! 2 < بعذاب بئيس > 2 ! أي : شديد ! 2 < بما كانوا يفسقون > 2 ! ، وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين ! 2 < لم تعظون قوما الله مهلكهم > 2 ! ، فاختلف المفسرون في نجاتهم ، وهلاكهم ، والظاهر ، أنهم كانوا من الناجين ، لأن الله خص الهلاك بالظالمين ، وهو لم يذكر ، أنهم ظالمون . فدل على أن العقوبة ، خاصة بالمعتدين في السبت ، ولأن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فرض كفاية ، إذا قام به البعض ، سقط عن الآخرين ، فاكتفوا بإنكار أولئك ، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم : ! 2 < لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا > 2 ! فأبدوا من غضبهم عليهم ، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة ، لفعلهم ، وأن الله سيعاقبهم أشد العقوبة . ^ ( فلما عتوا عما نهوا عنه ) ^ أي : قسوا فلم يلينوا ، ولا اتعظوا ، ! 2 < قلنا لهم > 2 ! قولا قدريا ، ! 2 < كونوا قردة خاسئين > 2 ! فانقلبوا بإذن الله قردة ، وأبعدهم الله من رحمته ، ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم فقال : ! 2 < وإذ تأذن ربك > 2 ! أي : اعلم إعلاما ، صريحا : ! 2 < ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب > 2 ! أي : يهينهم ، ويذلهم . ! 2 < إن ربك لسريع العقاب > 2 ! لمن عصاه ، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا . ! 2 < وإنه لغفور رحيم > 2 ! لمن تاب إليه وأناب ، يغفر له الذنوب ، ويستر عليه العيوب ، ويرحمه ، بأن يتقبل منه الطاعات ، ويثيبه عليها بأنواع المثوبات . وقد فعل الله بهم ما وعدهم به ، فلا يزالون في ذل وإهانة ، تحت حكم غيرهم ، لا تقوم لهم راية ، ولا ينصر لهم علم . ! 2 < وقطعناهم في الأرض أمما > 2 ! أي : فرقناهم ومزقناهم في الأرض ، بعدما كانوا مجتمعين ، ! 2 < منهم الصالحون > 2 ! القائمون بحقوق الله ، وحقوق عباده ، ! 2 < ومنهم دون ذلك > 2 ! على : دون الصلاح ، إما مقتصدون ، وإما الظالمون لأنفسهم ، ! 2 < وبلوناهم > 2 ! أي عادتنا وسنتنا ، ! 2 < بالحسنات والسيئات > 2 ! أي : باليسر والعسر . ! 2 < لعلهم يرجعون > 2 ! عما هم عليه مقيمون ، من الردى ، ويراجعون ما خلقوا له من الهدى ، فلم يزالوا بين صالح ، وطالح ، ومقتصد . ! 2 < فخلف من بعدهم خلف > 2 ! زاد شرهم ! 2 < ورثوا > 2 ! بعدهم ! 2 < الكتاب > 2 ! وصار المرجع فيه إليهم ، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم ، وتبذل لهم الأموال ، ليفتوا ويحكموا ، بغير الحق ، وفشت فيهم الرشوة . ! 2 < يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون > 2 ! مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة : ! 2 < سيغفر لنا > 2 ! وهذا قول خال من الحقيقة ، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة . فلو كان ذلك ، لندموا على ما فعلوا ، وعزموا على أن لا يعودوا ، ولكنهم إذا أتاهم عرض آخر ، ورشوة أخرى يأخذونه . فاشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ، واستبدلوا الذي هو أدنى ، بالذي هو خير . قال الله تعالى في الإنكار عليهم ، وبيان جراءتهم : ! 2 < ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق > 2 ! ، فما بالهم يقولون عليه غير الحق ، اتباعا لأهوائهم ، وميلا مع مطامعهم . ^ ( و ) ^ الحال أنهم قد ! 2 < درسوا ما فيه > 2 ! فليس عليهم فيه إشكال ، بل قد أتوا أمرهم متعمدين ، وكانوا في أمرهم مستبصرين ، وهذا أعظم للذنب ، وأشد للوم ، وأشنع للعقوبة ، وهذا من نقص عقولهم ، وسفاهة رأيهم ، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة ، ولهذا قال : ! 2 < والدار الآخرة خير للذين يتقون > 2 ! ما حرم الله عليهم ، من المآكل التي تصاب ، وتؤكل رشوة على الحكم ، بغير ما أنزل الله ، وغير ذلك من أنواع المحرمات . ! 2 < أفلا تعقلون > 2 ! أي : أفلا تكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره ، وما ينبغي الإيثار عليه ، وما هو أولى بالسعي إليه ، والتقديم له على غيره ، فخاصية العقل ، النظر للعواقب . وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع ، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي ؟ وإنما العقلاء حقيقة ، من وصفهم الله بقوله : ^ ( والذين يمسكون
