@ 311 @ السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ول كن أكثر الناس لا يعلمون * قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شآء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) ^ يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : ^ ( يسألونك ) ^ أي : المكذبون لك ، المتعنتون ^ ( عن الساعة أيان مرساها ) ^ أي : متى وقتها ، الذي تجيء به ، ومتى تحل بالخلق ؟ ^ ( قل إنما علمها عند ربي ) ^ أي : إنه تعالى المختص بعلمها ، ^ ( لا يجليها لوقتها إلا هو ) ^ أي : لا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه ، إلا هو . ^ ( ثقلت في السموات والأرض ) ^ أي : خفي علمها على أهل السموات والأرض ، واشتد أمرها أيضا عليهم ، فهم من الساعة مشفقون . ^ ( لا تأتيكم إلا بغتة ) ^ أي : فجأة من حيث لا يشعرون ، لم يستعدوا لها ، ولم يتهيأوا لها . ^ ( يسألونك كأنك حفي عنها ) ^ أي : هم حريصون على سؤالك عن الساعة ، كأنك مستحف عن السؤال عنها ، ولم يعلموا أنك لكمال علمك بربك ، وما ينفع السؤال عنه غير مبال بالسؤال الخالي من المصلحة ، المتعذر علمه ، فإنه لا يعلمها نبي مرسل ، ولا ملك مقرب . وهي من الأمور التي أخفاها عن الخلق ، لكمال حكمته ، وسعة علمه . ^ ( قل إنما علمها عند الله ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ^ فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه ، وخصوصا مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهم ، ويدعون ما يجب عليهم ، من العلم ، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحد أن يدركه ، ولا هم مطالبون بعلمه . ^ ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ) ^ فإني فقير مدبر ، لا يأتيني خير ، إلا من الله ، ولا يدفع عني الشر ، إلا هو ، وليس لي من العلم إلا ما علمني الله تعالى . ^ ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ) ^ أي : لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع ، ولحذرت من كل ما يفضي إلى سوء ومكروه ، لعلمي بالأشياء قبل كونها ، وعلمي بما تفضي إليه . ولكني لعدم علمي قد ينالني ما ينالني من السوء ، وقد يفوتني ما يفوتني ، من مصالح الدنيا ومنافعها ، فهذا أول دليل على أني لا علم لي بالغيب . ^ ( إن أنا إلا نذير ) ^ أنذر بالعقوبات الدينية والدنيوية ، والأخروية ، وأبين الأعمال المفضية إلى ذلك ، وأحذر منها . ^ ( وبشير ) ^ بالثواب العاجل ، ببيان الأعمال الموصلة إليه ، والترغيب فيها ، ولكن ليس كل أحد يقبل هذه البشارة والنذارة ، وإنما ينتفع بذلك ، ويقبله المؤمنون . وهذه الآيات الكريمات ، مبينة جهل من يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه لحصول نفع ، أو دفع ضر . فإنه ليس بيده شيء من الأمر ، ولا ينفع من لم ينفعه الله ، ولا يدفع الضر ، عمن لم يدفعه الله عنه ، ولا له من العلم ، إلا ما علمه الله ، وإنما ينفع من قبل ما أرسل به ، من البشارة والنذارة ، وعمل بذلك . فهذا نفعه عليه السلام ، الذي فاق نفع الآباء والأمهات ، والأخلاء والإخوان ، بما حث العباد على كل خير ، وحذرهم عن كل شر ، وفيه لهم ، غاية البيان والإيضاح . ^ ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلمآ أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين * فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء فيمآ آتاهما فتعالى الله عما يشركون * أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) ^ أي : ^ ( هو الذي خلقكم ) ^ أيها الرجال والنساء ، المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرقكم . ^ ( من نفس واحدة ) ^ وهو : آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم . ^ ( وجعل منها زوجها ) ^ أي : خلق من آدم زوجته حواء ^ ( ليسكن إليها ) ^ لأنها إذا كانت منه حصل بينهما من المناسبة والموافقة ، ما يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر ، فانقاد كل منهما إلى صاحبه ، بزمام الشهوة . ^ ( فلما تغشاها ) ^ أي تجللها مجامعا لها قدر الباري أن يوجد من تلك الشهوة ، وذلك الجماع ، النسل ، وحينئذ ^ ( حملت حملا خفيفا ) ^ وذلك في ابتداء الحمل ، لا تحس به الأنثى ، ولا يثقلها . ^ ( فلما ) ^ استمرت و ^ ( أثقلت ) ^ به حين كبر في بطنها ، فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد ، وعلى خروجه حيا ، صحيحا ، سالما لا آفة فيه . لذلك ^ ( دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ) ! 2 < ولدا > 2 ! ( صالحا ) ^ أي : صالح
