@ 378 @ به يستهزئون ) ^ من العذاب ، حيث تهاونوا به ، حتى جزموا بكذب من جاء به . ^ ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور * ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أول ئك لهم مغفرة وأجر كبير ) ^ يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان ، أنه جاهل ظالم ، بأن الله إذا أذاقه منه رحمة ، كالصحة والرزق ، والأولاد ، ونحو ذلك ، ثم نزعها منه ، فإنه يستسلم لليأس ، وينقاد للقنوط ، فلا يرجو ثواب الله ، ولا يخطر بباله أن الله سيردها ، أو مثلها ، أو خيرا منها عليه . وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته ، أنه يفرح ويبطر ، ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير ويقول : ^ ( ذهب السيئات عني ، إنه لفرح فخور ) ^ أي : يفرح بما أوتي مما يوافق هوى نفسه ، فخور بنعم الله على عباد الله وذلك يحمله على الأشر والبطر والإعجاب بالنفس ، والتكبر على الخلق ، واحتقارهم ، وازدرائهم ، وأي عيب أشد من هذا ؟ وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو ، إلا من وفقه الله ، وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضده ، وهم الذين صبروا أنفسهم عند الضراء ، فلم ييأسوا ، وعند السراء ، فلم يبطروا ، وعملوا الصالحات من واجبات ومستحبات . ^ ( أولئك لهم مغفرة ) ^ لذنوبهم ، يزول بها عنهم كل محذور . ^ ( وأجر كبير ) ^ وهو : الفوز بجنات النعيم ، التي فيها ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين . ^ ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك إنمآ أنت نذير والله على كل شيء وكيل * أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله وأن لا إل ه إلا هو فهل أنتم مسلمون ) ^ يقول تعالى مسليا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المكذبين : ^ ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ) ^ ، أي : لا ينبغي هذا لمثلك ، أن قولهم يؤثر فيك ، ويصدك عما أنت عليه ، فتترك بعض ما يوحى إليك ، ويضيق صدرك لتعنتهم بقولهم : ^ ( لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ) ^ . فإن هذا القول ناشىء من تعنت ، وظلم ، وعناد ، وضلال ، وجهل بمواقع الحجج والأدلة . فامض على أمرك ، ولا تصدك هذه الأقوال الركيكة التي لا تصدر إلى من سفيه ولا يضق لذلك صدرك . فهل أوردوا عليك حجة ، لا تستطيع حلها ؟ أم قدحوا ببعض ما جئت به قدحا ، يؤثر فيه ، وينقص قدره ، فيضيق صدرك لذلك ؟ أم عليك حسابهم ، ومطالب بهدايتهم جبرا ؟ و ^ ( إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ) ^ فهو الوكيل عليهم ، يحفظ أعمالهم ، ويجازيهم بها أتم الجزاء . ^ ( أم يقولون افتراه ) ^ أي : افترى محمد هذا القرآن ؟ فأجابهم بقوله : ^ ( قل ) ! 2 < لهم > 2 ! ( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) ^ أي : إن كان قد افتراه ، فإنه لا فرق بينكم وبينه في الفصاحة والبلاغة ، وأنتم الأعداء حقا ، الحريصون بغاية ما يمكنكم على إبطال دعوته ، فإن كنتم صادقين ، فأتوا بعشر سور مثله مفتريات . ^ ( فإن لم يستجيبوا لكم ) ^ على شيء من ذلكم ^ ( فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ) ^ من عند الله ، لقيام الدليل والمقتضى ، وانتفاء المعارض . ^ ( وأن لا إله إلا هو ) ^ أي : واعلموا ^ ( أنه لا إله إلا هو ) ^ أي : هو المستحق للألوهية والعبادة ، ^ ( فهل أنتم مسلمون ) ^ أي : منقادون لألوهيته مستسلمون لعبوديته . وفي هذه الآيات ، إرشاد إلى أنه لا ينبغي للداعي إلى الله ، أن يصده اعتراض المعترضين ، ولا قدح القادحين . خصوصا ، إذا كان القدح لا مستند له ، ولا يقدح فيما دعا إليه ، وأنه لا يضيق صدره ، بل يطمئن بذلك ، ماضيا على أمره ، مقبلا على شأنه . وأنه لا يجب إجابة اقتراحات المقترحين للأدلة التي يختارونها ، بل يكفي إقامة الدليل ، السالم عن المعارض ، على جميع المسائل والمطالب . وفيها أن هذا القرآن ، معجز بنفسه ، لا يقدر أحد من البشر أن يأتي بمثله ، ولا بعشر سور مثله ، بل ولا سورة من مثله ، لأن الأعداء البلغاء الفصحاء ، تحداهم الله بذلك ، فلم يعارضوه ، لعلمهم أنهم لا قدرة فيهم على ذلك . وفيها : أن مما يطلب فيه العلم ، ولا يكفي غلبة الظن ، علم القرآن ، وعلم التوحيد ، لقوله تعالى : ^ ( فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو ) ^ . ^ ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أول ئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) ^ يقول تعالى : ^ ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ) ^ ، أي : كل إرادته ، مقصورة على الحياة الدنيا ، وعلى زينتها
