@ 399 @ ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ) ^ أي : ^ ( وقال ) ^ يوسف عليه السلام : ^ ( للذي ظن أنه ناج منهما ) ^ ، وهو : الذي رأى أنه يعصر خمرا : ^ ( اذكرني عند ربك ) ^ أي : اذكر له شأني وقصتي ، لعله يرق لي ، فيخرجني مما أنا فيه ، ^ ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) ^ أي : فأنسى الشيطان ذلك الناجي ، ذكر الله تعالى ، وذكر ما يقرب إليه ، ومن جملة ذلك نسيانه ، ذكر يوسف الذي يستحق أن يجازى بأتم الإحسان ، وذلك ليتم الله أمره وقضاءه . ^ ( فلبث في السجن بضع سنين ) ^ والبضع : من الثلاث إلى التسع ، ولهذا قيل : إنه لبث سبع سنين ، ولما أراد الله أن يتم أمره ، ويأذن بإخراج يوسف من السجن ، قدر لذلك سببا لإخراج يوسف وارتفاع شأنه ، وإعلاء قدره ، وهو رؤيا الملك . ^ ( وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين * وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون * يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون * قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون * ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) ^ لما أراد الله تعالى أن يخرج يوسف من السجن ، أر ى الله الملك هذه الرؤيا العجيبة ، التي تأويلها ، يتناول جميع الأمة ، ليكون تأويلها على يد يوسف ، فيظهر من فضله ، ويبين من علمه ، ما يكون له رفعة في الدارين . ومن التقادير المناسبة ، أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها ، لارتباط مصالحها به . وذلك أنه رأى رؤيا هالته ، فجمع علماء قومه ، وذوي الرأي منهم وقال : ^ ( إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع ) ^ أي : سبع من البقرات ^ ( عجاف ) ^ ، وهذا من العجب ، أن السبع العجاف الهزيلات ، اللاتي سقطت قوتهن ، يأكلن السبع السمان ، التي كن نهاية في القوة . ^ ( و ) ! 2 < رأيت > 2 ! ( سبع سنبلات خضر وأخر ) ^ أي : وسبع سنبلات أخر ^ ( يابسات ) ! 2 < > 2 ! ( يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ) ^ لأن تعبير الجميع واحد ، وتأويلهن شيء واحد ، ^ ( إن كنتم للرؤيا تعبرون ) ^ فتحيروا ، ولمي عرفوا لها وجها . ^ ( قالوا : أضغاث أحلام ) ^ أي : أحلام لا حاصل لها ، ولا لها تأويل . وهذا جزم منهم ، بما لا يعلمون ، وتعذر منهم ، بما ليس بعذر ، ثم قالوا : ^ ( وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) ^ أي : لا نعبر إلا الرؤيا ، وأما الأحلام ، التي هي من الشيطان ، أو من حديث النفس ، فإنا لا نعبرها . فجمعوا بين الجهل والجزم ، بأنها أضغاث أحلام ، والإعجاب بالنفس ، بحيث إنهم لم يقولوا : لا نعلم تأويلها ، وهذا من الأمور ، التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا . وهذا أيضا ، من لطف الله ، بيوسف عليه السلام . فإنه لو عبرها ابتداء قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم ، فيعجزوا عنها لم يكن لها ذلك الموقع ، ولكن لما عرضها عليهم ، فعجزوا عن الجواب ، وكان الملك مهتما لها ، غاية الاهتمام ، فعبرها يوسف وقعت عندهم موقعا عظيما . وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة ، بالعلم ، بعد أن سألهم ، فلم يعلموا . ثم سأل آدم ، فعلمهم أسماء كل شيء ، فحصل بذلك ، زيادة فضله . وكما يظهر فضل أفضل خلقه ، محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة ، أن يلهم الله الخلق ، أن يتشفعوا بآدم ، ثم بنوح ، ثم إبراهيم ، ثم موسى ، ثم عيسى عليهم السلام ، فيعتذرون عنها . ثم يأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول : ( أنا لها أنا لها ) ، فيشفع في جميع الخلق ، وينال ذلك المقام المحمود ، الذي يغبطه به الأولون والآخرون . فسبحان من خفيت ألطافه ، ودقت في إيصاله البر والإحسان ، إلى خواص أصفيائه ، وأوليائه . ^ ( وقال الذي نجا منهما ) ^ أي : من الفتيين ، وهو : الذي رأى أنه يعصر خمرا ، وهو الذي أوصاه يوسف ، أن يذكره عند ربه ^ ( وادكر بعد أمة ) ^ أي : وتذكر يوسف ، وما جرى له في تعبيره لرؤياهما ، وما وصاه به ، وعلم أنه كفيل بتعبير هذه الرؤيا بعد مدة ، من السنين فقال : ^ ( أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ) ^ إلى يوسف لأسأله عنها . فأرسلوه ، فجاء إليه ، ولم يعنفه يوسف على نسيانه ، بل استمع ما يسأله عنه ، وأجابه عن ذلك فقال : ^ ( يوسف أيها الصديق ) ^ أي : كثير الصدق في أقواله وأفعاله ، ^ ( أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ) ^ فإنهم متشوفون لتعبيرها ، وقد أهمتهم .