- روى الترمذي وقال حديث حسن وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه مرفوعا : [ [ ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ثم قرأ هذه الآية : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ] ] الآية .
وفي رواية للبيهقي وابن حبان : [ [ ثم يصلي ركعتين ] ] .
وكذلك ذكر ابن ماجه في صحيحه الركعتين ولكن بغير إسناد . وفي رواية البيهقي مرسلا : [ [ ما أذنب عبد ذنبا ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى براز من الأرض فصلى فيه ركعتين واستغفر الله إلا غفر له ] ] .
والبراز : هو الأرض الفضاء ومثلها كل موضع خال من الناس لا سيما المكان المعظم . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد من رسول الله صلى الله عليه سلم ) أن نواظب على صلاة التوبة كلما نذنب ذنبا وإن تكرر ذلك الذنب في كل يوم سبعين مرة أو أكثر وذلك لأن التنصل من الذنوب مقدم على كل طاعة كالوضوء للصلاة وقد واظبت على هذه الصلاة أول بلوغي مدة سنتين حتى كنت أعد ذنوبي عندي في دفتر فلما كثرت ذنوبي وزادت عن الحصر عجزت عن الصلاة عند كل ذنب فيا سعادة من مات من المذنبين صغيرا ويا شقاوة من طال عمره منهم .
واعلم أنه تعالى وإن كان { يحب التوابين ويحب المتطهرين } يعني المتطهرين بالتوبة أو بالماء أو بالتراب فهو لمن لم يتب لعدم ذنبه أحب إليه تعالى كالأنبياء والملائكة لأنهم ليس لهم ذنوب حقيقة يتوبون منها وما قال الله تعالى { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } إلا جبرا لخلل من نفذت فيه الأقدار وتكررت عليه المعاصي وطلب الإقالة منها فلم يقل كما أشعر به : قوله التوابين : أي من تكرر منهم التوبة بتكرر الذنب فافهم .
وسمعت سيدي عليا الخواص C يقول : إنما كان A يقول : [ [ إني لأتوب وأستغفر الله في اليوم كذا وكذا مرة ] ] .
تشريعا لأمته ليستنوا به وإلا فاعتقادنا أنه A لا ذنب له في نفس الأمر إنما هو ذنب تقديري .
ولا يخفى أن التوبة من جملة المقامات المستصحبة للعبد إلى الممات لقوله تعالى .
{ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } فلا يستغني عنها مؤمن ولو ارتفعت درجته حتى يدخل الجنة فتنقضي حضرة اسمه تعالى التواب لزوال التكليف وقد يكون حكم التواب في الجنة كحكمه قبل وجود التكاليف فيكون توابا بالقوة لا بالفعل حقيقة .
واعلم أن من فضائل الصلاة أن العبد إذا وقف بين يدي الله D نادما مستغفرا لا يرده الله إلا مقبول التوبة التي هي الرجوع إلى كشف الحجاب بعد أن كان محجوبا حتى وقع في الذنب فإذا رفع حجابه وجد الله تعالى فاعلا دون العبد إلا بقدر نسبة التكليف فقط وهناك يخف ندمه ضرورة قهرا عليه ولو أراد أن يندم كما كان في حال الحجاب لا يصح له وثم مقام رفيع ومقام أرفع ولولا أن في شدة الندم تعظيم أوامر الله تعالى وتعظيم الوقوع في المخالفات لكانت شدة الندم إلى الشرك أقرب وذلك لأنه يؤذن بترجيح كونه فاعلا دون الحق فمن رحمة الله تعالى بالعبد أن حبسه في مقام شركة نفسيه مع الله تعالى في الفعل حتى يحكم ذلك المقام قبل أن ينقله إلى ما فوقه .
فإن قيل : إن الأكابر من الأنبياء بكوا حتى نبت العشب من دموعهم . وبكى آدم حتى صارت دموعه بركة ماء يشرب منها الدواب والهوام نحو ثمنين سنة كما ورد وهؤلاء لا يتصور في حقهم أنهم يرون شركة نفوسهم في الفعل مع الله تعالى إلا بقدر نسبة الفعل إليهم لأجل التكاليف وذلك القدر ضعيف جدا لا يبكون لأجله الدم ولا الدموع الكثيرة وهذا الأمر هو بالأصالة للأنبياء لأن النبوة تأخذ بدايتها من بعد منتهى الولاية .
فالجواب : إن بكاء كل داع إلى الله تعالى إنما هو تشريع لقومه فيجري الله تعالى عليه صورة الندم حتى لا يسأل يوم القيامة عن تفريطه في شيء من أحوال قومه التي كلفه الله تعالى ببيانها لهم ولا عن بيان كيفية خروجهم من ذنوبهم إذا وقعوا فيها ويحتمل أن يكون بكاء الأكابر من باب الفتوة على قومهم فحملوا عنهم ببكائهم ذلك البكاء الذي كانوا مأمورين به بعد وقوعهم في الذنوب فكانت تلك البركة التي نشأت من بكاء آدم عليه السلام هي دموع بنيه التي كانت متفرقة فيهم ودفعها عنهم وهذا ما ظهر لي في هذا الوقت من الجواب عن الأكابر فعلم أن أحدا لا يستغني عن الاستغفار سواء كشف له الحجاب أو لم يكشف فإنه إن شهد له مدخلا في شركة الفعل فالواجب عليه سؤال المغفرة وإن لم يشهد له مدخلا فيه فالواجب عليه أيضا سؤال المغفرة قياما بواجب نسبة التكليف إليه كما قال أبونا آدم E مع معرفته بما الأمر عليه من القضاء المبرم الذي لا مرد له { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تفغر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } .
فلا يخلو حال المستغفر من أحد أمرين : إما تحقيق الذنب وإما للتشريع ويكون ندمه صورة فتأمل ذلك وحرره والله يتولى هداك