- روى الشيخان واللفظ للبخاري مرفوعا : اليد العليا خير من اليد السفلى ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله . قال الخطابي وقد اختلف الناس في المراد باليد العليا فقال بعضهم هي المنفقة والأشبه أن يكون المراد بها المتعففة لأنها أوضح من حيث المعنى . والله تعالى أعلم .
وروى البزار مرفوعا : [ [ إن الله تعالى يحب الغني المتصدق والفقير المتعفف ] ] .
وروى ابن خزيمة في صحيحه مرفوعا : [ [ أول ثلاثة يدخلون الجنة : الشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده وعفيف متعفف ذو عيال ] ] .
وروى الطبراني مرفوعا : [ [ ومن يقنع يقنعه الله ] ] . وفي رواية له مرفوعا : [ [ عز المؤمن استغناؤه عن الناس ] ] .
وروى الشيخان مرفوعا : [ [ ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس . والعرض كل ما يقتنى من المال وغيره ] ] .
وروى مسلم وغيره مرفوعا : [ [ اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع ] ] .
وروى ابن حبان في صحيحه مرفوعا : [ [ إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب ] ] .
وروى الشيخان مرفوعا : [ [ ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس ] ] .
وروى مسلم والترمذي وغيرهما مرفوعا : [ [ قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه ] ] . والكفاف من الرزق ما كف عن السؤال مع القناعة لا يزيد على قدر الحاجة .
وروى مسلم والترمذي وغيرهما مرفوعا : [ [ يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تستكثر فشر لك ولا تلام على كفاف ] ] .
يعني أن تطلب من الدنيا ما يكفيك ويغنيك عن سؤال الناس . وروى البيهقي مرفوعا : [ [ القناعة كنز لا يفنى ] ] . قال الحافظ المنذري ورفعه غريب وروى الترمذي وقال حديث حسن مرفوعا : [ [ من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ] ] . والمراد بسربه : نفسه . وروى البخاري وابن ماجه وغيرهما مرفوعا : [ [ لأن يأخذ أحدكم أحبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ] ] . وروى البخاري مرفوعا : [ [ ما أكل أحد طعاما خير له من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ] ] . قال بعضهم كان يضفر الخوص ويعمل أدراع الحديد . وروى أبو داود والترمذي : [ [ أن رجلا من الأنصار أتى النبي A فسأله فقال : أما في بيتك شيء ؟ فقال بلى حلس ؟ ؟ نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب ؟ ؟ نشرب فيه الماء فقال ائتني بهما فأتاه بهما فأخذهما رسول الله A بيده فقال : من يشتري هذين ؟ فقال رجل : أنا آخذهما بدرهم فقال رسول الله A من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا ؟ فقال رجل : أنا أخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال : اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فائتني به فلما أتاه به شد فيه رسول الله A عودا بيده ثم قال : اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما ففعل وجاء فأصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما فقال رسول الله A : هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تحل إلا لثلاث : لذي فقر مدقع ولذي غرم مفظع ولذي دم موجع ] ] . والمدقع هو الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء يعني الأرض التي لا نبات بها والغرم هو الذي يلزم صاحبه أداؤه يتكلف فيه لا في مقابلة عوض والمفظع هو الشديد الشنيع والدم الموجع هو الذي يتحمل عن قريبه أو حميمه أو نسيبه دية إذا قتل نفسا ليدفعها إلى أولياء المقتول . ولو لم يفعل قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن يكون سدانا ولحمتنا القناعة والتعفف والأكل من الكسب الحلال بطريقة الشرع الشامل لمد اليدين بالدعاء إلى حضرة الله تعالى إذا عجزنا عن عمل الحرفة المعتادة ولا نأكل بديننا وهذا العهد لا يعمل به على وجهه إلا من سلك الطريق على يد شيخ وإلا فلا يشم من العمل به رائحة فإن العبد ما لم يصل إلى معرفة الله تعالى لا يصح له في القناعة والتعفف قدم وذلك أنه إذا عرف الله تعالى فمن لازمه الرضا به من الكونين ولا يطلب قط فيهما نعيما غير مجالسة الحق جل وعلا ولا يبالي بما فاته منهما إذا كان الحق تعالى له عوضا من كل شيء وأما من لم يصل إلى معرفة الله تعالى فمن لازمه شراهة النفس لأن الدنيا مشهودة فلذلك كان هذا العهد يخل به كثير من الناس في هذا الزمان حتى لا يكاد الإنسان يرى متعففا ولا قانعا ولا متورعا في اللقمة أبدا بل غالب الفقراء يقولون وخلق لكم وغيرهم يقول هات لنا ولا تفتش وبعضهم يقول الحرام علينا هو ما لم تصل يدنا إليه وهذا كلام لا يجوز لمؤمن أن يتلفظ به لئلا يسمعه بعض العوام فيتبعه على ذلك .
ومن هنا قال العارفون : يجب على من لم يكن لديه ورع أن يتفعل في التورع فإن لم يكن له نية صالحة في الورع فربما صلحت نية من يتبعه في الورع وقالوا أيضا : يجب على العالم إذا لم يعمل بعلمه أن يعمله لمن يعمل به .
وقالوا إذا رأيت عالما لا يعمل بعلمه فاعمل أنت به يحصل لك وله الخير . [ [ والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ] ] .
ثم لا يخفى أن من أقبح الصفات عدم تعفف العالم والصالح وطلبهما من الولاة جوالي أو مسموحا أو مرتبا على بساط السلطان ثم يطلبان بعد ذلك تمشية شفاعتهم عندهم في أمور المسلمين وهذا أمر لا يتم لهم فإن شرط الشافع العفة والورع عما بأيدي الولاة فإنهم إذا رأوه زاهدا فيما رغب فيه ملوكهم فضلا عنهم عظموه ضرورة وأحبوه وقبلوا شفاعته وتبركوا به وقد كثر طلب الدنيا من طائفة الفقراء وغيرهم وصاروا يسافرون من نحو مصر إلى بلاد الروم والعجم ويتعللون بضيق المعاش وربما يكون أحدهم كاذبا لأن عنده في بلده ما يكفيه الكفاية اللائقة بأمثاله وكان من الأدب لكل من عمل رئيسا في الناس أن يرد جميع ما يعرضه عليه أعوان الظلمة والسلطان ويقول لهم : أعطوه لمن هو أنفع مني للمسلمين من الجند الذين يسافرون في التجاريد ونحوهم فأما أنا فجالس أذكر الله تعالى في زاويتي أو أشتغل بعلم ما أحد يعمل به والأمر في زيادة من حيث قلة العمل بالعلم فكيف أزاحم عسكر السلطان على ماله .
فاسلك يا أخي طريق الفقراء والعلماء الذين مضوا ولا تتبع أهل زمانك تهلك .
وقد بلغنا عن أبي إسحاق الشيرازي أنه كانت تعرض عليه الأموال فيردها مع أن القمل سائح على وجهه ورأسه ولحيته وعليه فروة كباشية ؟ ؟ وكان يتغذى بماء الباقلا فيفت الكسرة اليابسة ويغمسها بماء الفول رضي الله تعالى عنه فاعلم ذلك .
وسمعت أخي أفضل الدين C تعالى يقول : لله تعالى رجال يجمعون المال ولا يظهرون قناعة ويلحون في السؤال ثم يعطون كل شيء حصل بأيديهم لمن هو محتاج إليه ولا يذوقون منه شيئا .
فإياك يا أخي والمبادرة بالإنكار عليهم .
وبعضهم يجمع من الدنيا عنده حتى لا تستشرف نفسه لما في أيدي الناس أو يقف لهم على باب وكان على ذلك سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه .
وسمعت سيدي عليا الخواص رضي الله تعالى عنه يقول : إذا ضاق على فقير أمر معيشته فليسأل الله تعالى في تيسير رزق حلال مما قسمه الله تعالى له ولا يعين جهة ليكون ذلك معدودا من جملة الرزق الذي لا يحتسبه فإن كان شيء جاء باستشراف نفس فهو غير مبارك فيه كما صرحت به الشريعة ثم نقل عن الشبلي أنه كان إذا جاع مد يده وسأل الله تعالى وقال هذا كسب يميني .
وسمعت أخي أفضل الدين C تعالى يقول : لا ينبغي لفقير أن يأكل مما وعده به أحد لأن نفسه تصير متشوقة إليه حتى يحضر .
وجاءه مرة إنسان وقال قد خرجت لكم عن قنطار عنب فأرسل معي أحدا يحمله فأبى وقال لا نحب أن نأكل إلا ما لم يكن في حسابنا فإذا خرجت بعد ذلك عن شيء للفقراء فلا تعلمهم به قبل حضوره إن طلبت أنهم يأكلون منه .
وبلغنا عن إبراهيم أنه فقد الحلال فسف من التراب مدة أربعين يوما حتى وجد الحلال اللائق بحاله ومقامه .
وسمعت أخي أفضل الدين C تعالى يقول : ينبغي لكل مؤمن في هذا الزمان إذا حضر عنده طعام أو شراب أن لا يأكل منه حتى يقول بتوجه تام : اللهم إن كان في هذا الطعام شبهة حرام فاحمني منه وإن لم تحمني منه فلا تجعله يقيم في بطني وإن جعلته يقيم في بطني فاحفظني من المعاصي الناشئة من أكله فإن لم تحفظني منها فمن علي بالتوبة النصوح فإن لم تمن علي بالتوبة فالطف بي ولا تؤاخذني يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين .
وكان يقول : لا ينبغي لفقير السؤال حتى يبيع آلات الدار الزائدة على الضرورة كالطراحة والمخدة والعمامة الزائدة والثوب الزائد والأواني كلهم حتى نعله الزائد .
وكان يقول لا ينبغي لفقير في هذا الزمان إذا وجد الحلال الصرف أن يشبع منه بل يأكل بقدر سد الرمق فقط خوفا أن يقع في الحرام . وسمعته أيضا يقول : ليست القناعة أن تأكل كل ما وجدته ولو كسرة يابسة كل يوم وإنما القناعة أن تطوي الثلاثة أيام فأكثر مع وجود الأكل عندك . ولعل مراده Bه الطي الذي لا يضر الجسم فإن جوع المحققين إنما هو اضطرار لا اختيار وذلك لأن الكامل يجب عليه إعطاء كل ذي حق حقه من جسمه أو غيره ولا يظلم شيئا من رعيته سواء الجوارح وغيرها . وبالجملة فلا بد لمن يريد العمل بهذا العهد من شيخ يسلك به حتى يخرجه من حضرات الاتهام ويدخله حضرات اليقين فيعرف إذ ذاك أن ما قسمه الله تعالى لعبد لا يمكن أن يفوته وما لم يقسمه له لا يتبعه نفسه .
ومن هذا الباب أيضا الأقدار الجارية على العبد فإنها لا تخلو عن كون ذلك الأمر الذي دافع العبد الأقدار في عدم وقوعه مقدرا أو غير مقدر فإن كان مقدرا فلا فائدة في المدافعة إلا تعظيم انتهاك محارم الله تعالى لا غير وقد كلف الله تعالى العبد بذلك وجعل له الثواب فيه سواء كان مقدرا أو غير مقدر حتى أنه لو كشف له أن الله تعالى كتب عليه الزنا أو شرب الخمر لا يجوز له المبادرة إلى ذلك لأنها مبادرة إلى ما يسخط الله D فيجب عليه الصبر حتى يقع ذلك في حالة غفلة أو سهو كما أشار إليه خبر : [ [ إذا أراد الله تعالى إنفاذ قضائه وقدره سلب من ذوي العقول عقولهم ] ] . يعني عقولهم الحافظة عن الوقوع لا عقول التكليف فافهم لئلا يؤدي إلى إبطال الحدود كلها فتأمل في هذا المحل واعمل به .
وقد كان أخي الشيخ عبدالقادر C تعالى على هذا القدم فأرسلت مرة أن يجعل على مقثأة البطيخ حارسا حتى يحضر له بالمركب يوسقه فأرسل يقول : لي المؤمن لا يحتاج إلى مثل ذلك فإن ما قسمه الله تعالى لأهل الريف أن يأكلوه لا يقدر أحد يحمل منه إلى مصر بطيخة واحدة وما قسمه الله تعالى لأهل مصر لا يقدر أحد من أهل الريف يأكل منه بطيخة واحدة ومن كان إيمانه كذلك لا يحتاج إلى حارس . هذا في ملك الإنسان نفسه أما مال الغير فيجب على الحارس حفظه وإن لم يحرسه إثم ولم يستحق أجره فافهم والله يتولى هداك