- روى أبو داود والنسائي واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما مرفوعا : [ [ من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه ] ] . وفي رواية للطبراني : حتى تعلموا أنكم شكرتموه فإن الله تعالى شاكر يحب الشاكرين . وروى الترمذي وأبو داود وابن حبان في صحيحه مرفوعا : [ [ من أعطى عطاء فوجد فليجز به فإن لم يجد فليثن فإن من أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفر ] ] . وفي رواية للترمذي مرفوعا وقال حديث حسن : من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء . وفي رواية له : [ [ من أسدى إليه بمعروف فقال للذي أسداه جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء ] ] . وروى الإمام أحمد ورواته ثقات والطبراني مرفوعا : [ [ إن أشكر الناس لله تعالى أشكرهم للناس ] ] . وفي رواية لأبي داود والترمذي وقال حديث صحيح : [ [ لا يشكر الله من لا يشكر الناس ] ] . قال الحافظ المنذري : روى هذا الحديث برفع الله وبرفع الناس وروى أيضا بنصبهما وبرفع الله وبنصب الناس وعكسه أربع روايات . وروى الطبراني وابن أبي الدنيا مرفوعا : [ [ من أولى معروفا فليذكره فمن ذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره ] ] . وروى ابن أبي الدنيا وغيره مرفوعا بإسناد لا بأس به : [ [ من لم يشكر القليل لا يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لا يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر ] ] . وروى أبو داود والنسائي واللفظ له : قال المهاجرون يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله ؟ ما رأينا قوما أحسن بذلا للكثير ولا مواساة في القليل منهم ولقد كفونا المؤونة قال أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم ؟ قالوا بلى قال : فذاك بذاك . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نشكر كل من أسدى إلينا معروفا ونكافئه على ذلك ولو بالدعاء أدبا مع الشارع في أمره لنا بذلك وقد كثرت الخيانة لهذا العهد من غالب الناس حتى صرت تربي اليتيم إلى أن يصير له أولاد ولا يتذكر لك نعمة ولا يحفظ معك أدبا وصار من وقع له ذلك يحذر من يريد يفعل مثله مع الناس فبتقدير أن المنعم من أولياء الله تعالى لا يلتفت إلى شكره فالمنعم عليه لا يستحق ذلك كما سيأتي والكمل على الأخلاق الإلهية والله D يحول النعم حين تكفر .
فاشكر يا أخي من أسدى معروفا لكن من غير وقوف معه فتراه كالقناة الجاري لنا منها الماء أو كالأجير الذي يغرف لنا من طعام رجل غيره بأجرة جعلها له .
ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ مرشد حتى يصل به إلى حضرة الإحسان ويرى الأمور كلها لله تعالى كشفا وشهودا ويصير يرى النعم من الله تعالى ببادئ الرأي ولا يضيفها إلى الخلق إلا بعد تأمل وتفكر عكس من لم يسلك الطريق فإنه لا يكاد يشهد النعمة من الله تعالى إلا بعد تفكر وتأمل .
فاسلك يا أخي الطريق لتفوز بالأدب مع الله تعالى ومع خلقه كما أمرك فقال تعالى : { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } . وقد قرن الله تعالى السعادة بشهود الأمور كلها من الله وقرن الشر بشهودها من الخلق ومقام الكمال في السعادة شهود الأمور كلها ببادئ الرأي من الله خلقا وإيجادا ومن العبد نسبة وإسنادا لأجل إقامة الحدود وكأن لسان الحق تعالى يقول : من قتل نفسا بغير حق فاقتلوه ولو شهدتم أني قدرت عليه ذلك أو أني أنا الفاعل كما قال : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } . فلا يسعنا إلا امتثال الأمر وكذلك الحكم على الزنا وشرب الخمر ونحوهما فكأنه قال تعالى من ظهر من جوارحه كذا فافعلوا به كذا فيقول سمعا وطاعة وأكثر الناس عمي عن تحقيق هذه المسألة فإما يضيفونها إلى الله تعالى فقط أو إلى الخلق فقط لكن من يضيفها إلى الله وحده أكبر أدبا ممن يضيفها إلى الخلق وحدهم غافلا عن الله تعالى .
وقد رأيت شخصا من خطاب الجامع الأزهر رسم له السلطان سليم بن عثمان مائة دينار لما صلى الجمعة في الجامع الأزهر وكانت نوبته تلك الجمعة فجاءه رفيقه ومنعه عن الخطبة ذلك اليوم لأجل المائة دينار فصار الخطيب الممنوع يحط على المانع وصرت أقول له : إن الله تعالى لم يقسم لك شيئا فيقول : هذا قد تسبب في قطع رزقي فقلت له : ولو تسبب فليس هو بقاطع إنما هو آلة للقدرة الإلهية والحكم لمن حرك الآلة فحكمت حكم من ضرب بعصا فصار يسب العصا أو غرف له طعام بمغرفة فصار يمدح المغرفة ويشكرها بين الناس وينسى الفاعل بتلك الآلة فهذا حكمه على حد سواء عند أهل التحقيق ولا يخفى ما في ذلك من قلة العقل . ثم قلت له : أين قولك في الخطبة كل جمعة : والله ثم والله لا يعطي ويمنع ويضع ويرفع إلا الله ؟ فقال قطعتني بالحجة ولو أن هذا سلك الطريق وبني أمره على التوحيد الكامل ما توقف في ذلك ولا احتاج إلى مجاهد ولا عادى أحدا عارضه في طريق وصوله إلى رزقه بل كان يرى كل شيء عورض فيه أن الله تعالى لم يقسمه له فلا يتعب نفسه . فاعلم ذلك واسلك طريق القوم إن أردت العمل بهذا العهد على وجه الكمال لتكون من أهل السنة والجماعة والله يتولى هداك { وهو يتولى الصالحين } .
واعلم أن كفران النعم للوسائط مما يحولها وإذا حولت فلا يقدر من كفرت نعمته أن تجري لك نعمة على يديه : { سنة الله التي قد خلت في عباده } . لأن كفران النعمة يقطع طريقها فبتقدير أن من كفرت نعمته لا يؤاخذك فأنت لا تستحق تلك النعمة فلا بد من وجود صفة الاستحقاق في المنعم عليه وعدم كفرانه نعمة من كان واسطة فيها من زوج ووالد وسيد ونحوهم وقد كثر كفران النعم في هذا الزمان من الزوجة والأولاد والأرقاء والمريدين وبذلك تعسرت عليهم الأرزاق وكلما تأخر الزمان زاد على الناس الأمر في تعسير الأرزاق وفي تحويلها عنهم بالكلية لقلة الشكر بالعمل من قيام الليل وغيره حتى تتورم منهم الأقدام فإن الشكر بالقول ما بقي يكفي لغالب النعم في هذا الزمان لكون الموازين قد أقيمت فيه على الناس لقرب الساعة وما قارب الشيء أعطى حكمه ولقلة الإخلاص في القول وقد قال تعالى في حق آل داود : { اعملوا آل داود شكرا } . ولم يقل قولوا أل داود شكرا وهذه الأمة المحمدية أولى بأن يشكروا بالعمل لأنهم أعظم نعمة بنبيهم وشريعتهم فليتنبه من كان غافلا عن ذلك ليدوم الماء في مجاريه .
وقد كان الشيخ عصيفير المجذوب المدفون بخط بين السورين بمصر كلما رأى حوضا مملوء للبهائم يفتح بالوعته فيسبح على الأرض ويقول للذي يملؤه أنت أعمى القلب فإن أهل هذا الزمان صاروا لا يستحقون رحمة ولا نعمة لكثرة عصيانهم ومخالفتهم فقال يا سيدي : إنما هذا البهائم فقال إنها تحملهم إلى مواضع المعاصي فكان يتكلم على لسان أحوال الزمان بلسان الحقيقة دون لسان الشريعة لكونه مجذوبا وكان مراده مما قاله تنبيه الناس إلى المشي على طريق الاستقامة لتدوم عليهم النعم وإلا فالحق لا يستحقون على الله تعالى شيئا مطلقا وإنما جميع نعمه عليهم من باب الفضل والمنة . والله تعالى أعلم
