[ 162 ] وورد في تفسير منهج الصادقين وتفسير القرطبي في ذيل هذه الآية حديثاً عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأنّ رسول الله كان أحد الأيّام يعظ أصحابه فرسم لهم خطوط متوازية على الأرض ثمّ خطّ لهم خطاً عمودياً ثمّ قال : اتعلمون ما معنى هذه الخطوط ؟ فقالوا : لا يا رسول الله ! فقال : هذه الخطوط هي من قبيل الآمال والتمنيات للناس (والّتي لا حدّ لها ولا حصر) وامّا ذلك الخط العمودي فهو الموت ونهاية الحياة الدنيا الّذي خُطّ على بني آدم جميعاً والّذي سوف يُبطل جميع هذه الآمال والتمنيات. ونفس هذا المعنى مع تفاوت يسير نقله (ابن مسعود) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال : "خطّ لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطاً مربعاً، وخطّ وسطه خطاً وجعله خارجاً منه، وخطّ عن يمينه ويساره خطوطاً صغاراً، فقال : هذا ابن آدم وهذا أجله محيط به وهذا أمله قد جاوز أجله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإنّ اخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا"(1). -- "الآية الرابعة" تخاطب المؤمنين بصورة غير مباشرة وتحذرهم بأن يكونوا على وعي كامل بوضعهم وحالهم لكي لا تأخذهم الآمال والتمنيات وتُفضي بهم إلى المصير المؤلم للأقوام السالفة وتقول (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ا لْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ ا لْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ا لاَْمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)(2). والمفهوم من هذه الآية انّ ما يبعث على لين قلب الإنسان وانعطافه وتوجهه إلى الحقّ وتحرّكه في خطّ الإيمان والانفتاح على الله هو ذكر الله تعالى، أجل فإنّ ذكر الله من شأنه أن يُزيل جميع الآمال الطويلة والعريضة ويجعل الإنسان ملتفتاً إلى مسؤولياته وواقعه ويُجلي قلب الإنسان ويضيئه، ويتسبّب في أن يتحرّك الإنسان في تصوراته وتفكيره من رؤية الواقع وحقيقة الحياة الدنيا فيرى عدم ثباتها وعدم استقرارها جلياً أمام ناظريه. -- 1. تفسير القرطبي، ج 17، ص 247 ذيل الآية محل البحث. 2. سورة الحديد، الآية 16.