( 96 ) حفظهم من التذبذب والتراجع إلى الوراء . و هذا الحد من الكمال لم يكن حاصلاً في فترة قصيرة، و تشهد على ذلك الاَحداث والوقائع التي كشفت عن تأصُّل الاَخلاق الجاهلية في نفوسهم وعدم تغلغل الاِيمان في قلوبهم، حتى أنّنا نجد أنّ القرآن يشير إلى ذلك تعليقاً على ما حدث ووقع منهم في معركة أُحد، إذ يقول سبحانه: (وَما محمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قد خلَتْ مِنْ قَبلهِ الرُّسلُ أَفَإِنْ ماتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيئاً وسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ) .(1) ويقول أيضاً: (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الاََمْرِ مِنْ شَيءٍ) .(2) وربما يتصوَّر أنّهذه النكسات تختص بالسنين الاَُولى من الهجرة، ولا تختص بالسنين التي أعقبت وفاة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لانتشار الاِسلام في الجزيرة العربية واعتناق خلق كثير منهم الاِسلام، ولكن التاريخ يرد تلك المزعمة ويثبت عدم بلوغهم الذروة في أمر القيادة بحيث تغنيهم عن نصب قائد محنّك من جانبه سبحانه. وهذه هي غزوة "حنين" التي غزاها النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في السنة الثامنة، وقد أُصيب المسلمون بهزيمة نكراء تركوا النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في ساحة الوغى ولم ينصره سوى عدد قليل، فلمّا رأى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- تفرَّق المسلمين حينها قارعهم بصوت عال، وقال: "أيّها الناس هلمُّوا إليّأنا رسول اللّه"، إلى غير ذلك من الكلمات التي علّمها لعمَّه العباس حتى يُجهر بها، وقد نقل القرآن الكريم إجمال تلك الهزيمة، وقال: (لََقَدْ نَصَرَكُمُ ____________ (1)آل عمران: 144. (2)آل عمران: 154.