( 58 ) سكر فوقع على ابنته [ أو قال على اخته ]فلمّا أفاق قال لها كيف المخرج ممّا وقعت فيه. . قالت: تجمع أهل مملكتك وتخبرهم أنّك ترى [أي تجوّز] نكاح البنات وتأمرهم أن يحلّوه فأخبرهم، فأبوا أن يتابعوه، فخدّ لهم اخدوداً في الأرض وأوقد فيه النيران وعرضهم عليها، فمن أبى قبول ذلك قذفه في النار، ومن أجاب خلى سبيله"(1). وهكذا يبلغ الاستبداد بالحاكم والملك المستبد إلى أن يرتكب ما يريد، ويستبيح كلّ حرام، ويأتي بكل منكر، ويدعو قومه مع ذلك إلى متابعته، وإلاّ قتلهم ونكّل بهم وعذّبهم وأخذهم بأشدّ عقاب. إنّ ما يذكره القرآن الكريم عن فرعون أو بعض الملوك من الاستبداد وما يترتب عليه من مفاسد خطيرة; لايختصُّ بفرعون ومن ذكرهم القرآن خاصة، بل هي خصّيصة تلازم النظام الملكيّ باعتباره حكماً فردياً لا ينطلق من مقاييس إلهيّة وإنسانيّة وأخلاقيّة، بل ينطلق من التسلط والقهر، وحمل الفرد نفسه على رقاب الشعوب. . وإنّما ذكر القرآن فرعون وخصّه بالذكر; لكونه مثلاً حيّاً ونموذجاً معروفاً للملك المستبدّ. على أنّ آثار الاستبداد ومفاسده على درجات ومراتب في الكمّية والكيفيّة حسب توفُّر هذه الخصلة[ الاستبداد] في الحاكم والملك. فمن مستبد يسلب بعض الحريات ويترك بعضها، إلى آخر يسلب جميعها جملةً واحدةً ويتجاوز الحدود ويستأثر بفيء العباد، إلى آخر يتصوّر نفسه مالكاً للبلد الذي يحكم فيه، ومالكاً لأهله وما فيه قاطبةً، إلى آخر يشتدُّ فيه الاستبداد حتّى يدعي الالوهيّة، أو يصف نفسه بأنّه الإله الأعلى وعلى الناس أن يعبدوه إلى. . وإلى. . فأين هذا النظام من الحكومة التي ينشدها الإسلام ويريد اقامتها، حيث يخاطب اللّه تعالى نبيّه داود ـ بصددها ـ بقوله: ( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأرْضِ فَاحكُمْ بَينَ النّاسِ بِِالْحقِّ وَلا تَتّبِعَ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ )( ص: 26). أو يخاطب نبيّه محمّداً صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قائلاً: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ وَ لاَ تَتّبِعْ ــــــــــــــــــــــــــــ 1- مجمع البيان 10:465 و الدّر المنثور للسيوطيّ 6:333.
