( 103 ) وإذا كان الوحي فعلا متميزا ، فهو صادر عن فاعل مريد ، وهذا الفاعل المريد هو الله تعالى ، الى متلق ممتثل ، فتعلقه في الأرض إذن تعلّق مجازي ، إذ طريق الوحي هو التلقي ، والأرض غير قابلة للتلقي . لهذا فالإيحاء في الآية عند الزمخشري مجاز لا يستثني بهذا شيئا قال : " أوحى لها بمعنى أوحى إليها ، وهو مجاز كقوله تعالى : ( أن نقول له كن فيكون ) وكقول الشاعر : أوحى لها القرار فاستقرت(1) . وأصل الوحي هو : الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض وما مجرى الإيماء والتنبيه على الشيء من غير أن يفصح به(2) . وقد يكون أصل الوحي في اللغة كلها الإعلام في خفاء(3) . ومؤدى ذلك واحد ، إذ الإشارة السريعة إعلام عن طريق الرمز ، والرمز إيماء يستفيد منه المتلقي أمرا إعلاميا قد يخفى على الآخرين(4) . ولهذا فقد كان الراغب دقيقا حينما عرض لمصطلح الوحي وقسمه فيما تنبه اليه بين القابل له والمستعصي عليه ، إلا أن يكون ذلك تسخيرا من قبل الله تعالى ، فقال : " فإن كان الموحى إليه حيا فهو إلهام ، وإن كان جمادا فهو تسخير "(5) . لهذا فقد ذهب الطبرسي ( ت : 548 هـ ) الى أن أوحى لها : أي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها . . من جهة تخفى(6) . والسياق إنما يقوم على قوة هذه الفاعلية في تصوير هول الموقف الذي يدهش له الإنسان فيقول في عجب وقلق ما لها ؟ فاقتضى أن يأتيه ____________ (1) ظ : الزمخشري ، الكشاف : 4/276 . (2) قارن بين ذلك في : الراغب ، المفردات : 515 . الطبرسي ، مجمع البيان : 5/37 . (3) ظ : ابن منظور ، لسان العرب 20/258 . (4) ظ : المؤلف ، ظاهرة الوحي والمستشرقون . " بحث " في كتاب : ( المستشرقون وموقفهم من التراث العربي الإسلامي ) وقائع المؤتمر العلمي الأول لكلية الفقه : مطبعة القضاء ، النجف ، 1986 م . (5) الراغب ، المفردات : 515 . (6) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : 5/526 .