( 104 ) الجواب ( بأنّ ربّك اوحى لها * )(1) . تحدث به الأرض نفسها تلقائيا ؛ فالإيحاء هنا مباشرة ، ليلائم إسناد التحدث الى الأرض . وسر قوته في أنه كذلك(2) . 3 ـ ومسايرة المجاز للنفس الإنسانية لا تقف عند حد معين ، ولا تختص بأقوام دون آخرين ، فالعبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومع هذا فقد نلتقط بعض الشذرات النادرة ، والتحف الثمينة في هذه الظاهرة المتأصلة ، ومن ذلك ما أورده تعالى في سورة الضحى من أقسام وأيمان كان للمجاز العقلي فيها نصيب متميز ، كما في قوله تعالى : ( والضّحى * والليل إذا سجى * )(3) . وسيأتي إبراز المجاز الإسنادي الحكمي لهذه الآية في محلها من فصل " المجاز العقلي في القرآن " والمهم هنا أن نبين أن القرآن العظيم كما توجه لإثارة النفس عند الناس ، فكذلك توجه لتهدئة النفس الإنسانية عند ذي أقدس نفس بشرية ، وهو الرسول الأعظم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وبذلك يستوعب المجاز القرآني ، النفوس الاعتيادية والنفوس المقدسة الشريفة ، وقد تنبهت الدكتورة بنت الشاطىء لهذا الملحظ ونحن نؤيدها فيه بحدود . " المقسم به في آيتي الضحى ، صورة مادية ، وواقع حسي ، يشهد به الناس تألق الضوء في ضحوة النهار ، ثم يشهدون من بعده فتور الليل إذا سجا وسكن . يشهدون الحالين معا ، في اليوم الواحد ، دون أن يختل نظام الكون ، أو يكون في توارد الحالين عليه مما يبعث على إنكار ، بل دون أن يخطر على بال أحد ، إن السماء قد تخلت عن الأرض وأسلمتها الى الظلمة الموحشة ، بعد تألق الضوء في ضحى النهار " . فأي عجب في أن يجيء ، بعد أنس الوحي وتجلي نوره على المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فترة سكون يفتر فيها الوحي ، على نحو ما نشهد من الليل الساجي يأتي بعد الضحى المتألق(4) . ____________ (1) الزلزلة : 5 . (2) ظ : بنت الشاطىء ، التفسير البياني : 1/97 . (3) الضحى : 1 ـ 2 . (4) بنت الشاطىء ، التفسير البياني : 1/26 .
