( 126 ) أ ـ قوله تعالى : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي )(1) . لقد عبر سبحانه وتعالى عن إرادته في الكينونة المطلقة ، على سبيل المجاز بـ " قيل " وإنما هي أمر كائن لا محالة ، وكانت قرينة هذا المجاز خطاب من لا يعقل ، وهو الجماد الذي لا يخاطب " يا أرض " و " يا سماء " إذ هو ليس مما يعي الخطاب ، أو يدرك الإمثال ، فكان ذلك قرينة لفظية في دلالة هذا المجاز العقلي . ولك أن تقول أن الله قادر على أن يخاطب الجماد ، ويجيب ذلك الجماد ، فيكون ذلك على سبيل الحقيقة ، وحتى لو حصل هذا على سبيل الإعجاز ، فلا مانع منه ، ويبقى المدرك مجازيا لأنه في العموم خطاب لمن لا يعقل ولا يجيب ولا يسمع ولا يتكلم ، وإن سمع وأجاب وأمتثل على سبيل الإعجاز . ب ـ وفي قوله تعالى : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتّخذت عليه أجرا )(2) . يتجلى المجاز العقلي مستشرفا إذ الجدار ليس كائنا ذا إرادة ، ولا هو بمريد شأن من يريد في الفعل أو الترك ، ولكنه البعد المجازي الذي وهب الحياة للجماد ، وأشاع الحسّ في الكائنات ، وكذلك التعبير الموحي الذي أضفى صفة من يصدر عنه الفعل على من لا يصدر عنه الفعل ، وحقيقة من يريد على من لا يريد في الأصل . وكانت قرينة هذا المجاز إرادة هذا الجماد وهو لا يريد . وتلك طريقة العرب المثلى في هذا المنظار ، وأنشدوا للحارثي :(3) يرد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل فإرادة الرمح ورغبته هنا كإرادة الجدار في الآية سواء بسواء . قال أبو عبيدة : " وليس للحائط إرادة ، ولا للموات ، ولكنه إذا كان ____________ (1) هود : 44 . (2) الكهف : 77 . (3) ظ : أبو عبيدة ، مجاز القرآن : 1/410 ، ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 133 .