( 67 ) وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، فإن المتكلم لا يعدل اليه الا اذا ضاقت به الحقيقة فيستعير ، وذلك محال على الله تعالى (1) . وقد ثبت لدينا في ضوء ما تقدم ، وفي ظلال ما سيأتي بيانه ، أن المورد المجازي في الاستعمال القرآني لا تضيق في الحقيقة ، أو عجز عن تسخيرها في تحقيق المعنى المراد ، بل لغاية التحرر في الالفاظ ، وإرادة المعاني الثانوية البكر ، فيكون بذلك قد أضاف الى الحقيقية في الألفاظ إضاءة جديدة ، والألفاظ هي هي ، وهذا بعيد عن ملحظ الكذب في التقرير ، أو العجز عن تسخير الحقيقة . ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة ، وليس الأمر كذلك . ويؤكد هذا الملحظ تعقيب الزركشي ( ت : 794 هـ ) على القول بمنع استعمال المجاز القرآني بقوله : " وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن "(2) . فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة اليه في بيان محسنات القرآن البلاغية ، فهو والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن في الذائقة البيانية كما أشار الزركشي . ويبدو ضعف هذا المذهب ـ وهو يرفض وجود المجاز في القرآن ـ حينما نشاهد حرص الجمهور والإمامية ، وأغلب المعتزلة ، ومن وافقهم من المتكلمين على إثبات وقوعه في القرآن(3) . حقا إن ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) قد أشار منذ عهد مبكر الى مسألة ____________ (1) ظ : السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : 3/109 . (2) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 2/255 . (3) ظ في هذا الشأن : الجاحظ ، الحيوان : 1/212 . ابن جني ، الخصائص : 2/447 ـ457 . الرضي ، تلخيص البيان في جملة نصوصه ، المرتضى في الأمالي ، الزمخشري ، الكشاف في أغلب مواضعه .