[126] لهذا نقرأ في حديث عن الرسول الاكرم ((صلى الله عليه وآله وسلم)): "يا ايها الناس! هما نجدان: نجد الخير ونجد الشر، فما جُعِلَ نجد الشر أحبَّ اليكم من نجد الخير". (1)يحصر بعض قصار النظر مفهوم الآية الواسع في داخل موضوع محدود، ويقولون: ان المقصود من هذين المكانين المرتفعين هما ثديا الأُم! وقد ورد في الحديث أن الإمام علي ((عليه السلام)) سُئِل بأن جماعة من الناس يقولون إِنّا هديناه النجدين اشارة إلى الثدي، فقال: "لا، هما الخير والشر". إن الهداية الإلهية في هذا المجال تحصل طبعاً عن طرق مختلفة، عن طريق الوجدان الأخلاقي، الفطرة، الدلائل العقلية، وتعاليم الرسل (أي انها تشمل انواع الهداية التكوينية والتشريعية)، لكن سياق الآيات يناسب الهداية التكوينية أكثر. * * * وفي الآية الثالثة بعد أن يُقسم بروحِ الإنسان، وخالق الروح، يشيرُ إلى مسألة الهامِ الفجورِ والتقوى ويقول: إنَّ الله تبارك وتعالى ألْهَمَ نَفْسَ الإنسان الفجور والتقوى (فَأَلْهَمَها فَجُوْرَها وَتَقْواهـا). و (الالهام) مِنْ مادة (لَهْمْ) على وزن (فَهْمْ) أي (اَبتلاع) أو (شرب) الشيء(2). ثم جاءت بمعنى القاء الأمر في قلب الإنسان من قبل الباري تعالى، فكأنما يلتهمُ القلبُ ذلك الأمرَ بتمامه، وللالهام معنىً آخر أيضاً وهو "الوحي"، حيث استُخدِمَ أيضاً بهذا المعنى احياناً. وتعني (الفجور) خرقَ حجابِ التقوى، وارتكاب الذنوب، وهي من مادة "فَجْر" التي تعني الانشقاق الواسع، أو انكشاف ظلمة الليل بواسطة بياض الصبح. و (التقوى) من مادة "الوقاية"، وتعني (الصيانة)، و المقصود هنا الاسباب ــــــــــــــــــــــــــــ. (1) نور الثقلين، المجلد 5 ص 581، ومجمع البيان وتفسير القرطبي، وقد روي نفس هذا المعنى عن الإمام الصادق تعقيباً على الآيات المنظورة. (2) لسان العرب مادة "لَهمْ" بناءً على ذلك فحينما تستعمل هذه المادة في باب الافعال تفيد "الابتلاع والشرب" وقال بعض انها تستخدم في امور الخير فقط. وان المراد من الهام الفجور في الآية هو صده عن الخير أيضاً.
