[130] للإنسان، حيث استطاع من خلال ايجاد الصوت عن طريق الحنجرة، ثم ايجاد الحروف عن طريق حركة اللسان والاعتماد على مخارج الحروف، ثم تركيبها مع بعضها وايجاد الكلمات، ثم تسمية الاشياء والمفاهيم المختلفة، بحيث يعكسَ مقاصدهُ الباطنية والمفاهيم المادية والمعنوية، الجزئية والكلية، المستقلة وغير المستقلة كافة عن هذا الطريق السهل الذي هو في متناول أيدي الجميع. والحقيقة انه لو لم تكن هذه الهِبَةُ الإلهية الخلاّقة ولم يعرف الإنسان التكلُّمَ لَما وُجِدَتِ الحضارة، ولَما ارتقى العلمُ إلى هذا الحد، ولَما تمكَّنَ الإنسان من بناء قواعد حياتهِ على اساسِ التعاون الجماعي، لأنَّ التعاونَ فرعٌ من علاقة التقارب مع الآخرين. وورد في تفسير الميزان ان من اقوى الادلة على انَّ اهتداء الإنسان إلى "البيان" قد تم بالهام الهيٍّ، هو اختلافُ اللغات باختلاف الامم والطوائف في الخصائص الروحية والاخلاقية والنفسانية وبحسب اختلاف المناطق الطبيعية التي فيها. (1)وقد قدَّرَ بعض المحققين عدد اللغات الموجودة في العالم بـ "ثلاثة آلاف لغة"، وقال بعضهم ان العدد يفوق ذلك(2). وهذا الاختلاف عجيبٌ حقاً، وهو من براهين قدرةِ وعظمةِ الله تبارك وتعالى. فأَصلُ التكلم مِن آيات الله العظيمة، وهذا التنوع في اللغات آيةٌ عظيمةٌ أُخرى، وكلاهما يعتبر من خصائص خلقةِ البشر. من الممكن ان تنطقَ بعضُ الطيور عن طريق التعليم المتكرر عبارات جذابة، ولكن ـمما لا شك فيهـ انَّ عَمَلَها ليس الاّ تقليد لالفاظ محدودة صادرة عن الإنسان من غير ادراك لمفاهيم هذه الالفاظ، فالانسانُ وحدهُ الذي يستطيع ـبنحو غير محدود وبادراك تامـ أن يكوِّنَ جُمَلا ويصب فيها مفاهيم مختلفةً ويعّبر عنها. وفي (توحيد المفضل)، يِلفتُ الإمام الصادق ((عليه السلام))النظر إلى هذه الآية ــــــــــــــــــــــــــــ. (1) تفسير الميزان ج 19 ص 107. (2) دائرة المعارف (فريد وجدي) ج 8 ص 364.
