ـ(395)ـ لرواة الأسانيد الأخرى وينصرف بالكلّية إلى سنده ولا يتعرّض لمتنه، لأنّ متنه ثابت عنده. ونقد المتن كان أول ما التفت نظر الصحابة إليه، فإنّهم عندما اعترضوا على بعض الأحاديث كان اعتراضهم على متونها، ولم يكن فاشياً عندهم وبينهم الكذب، وما اعترض على أحد منهم بذلك على التحقيق وإنّما اعتُرِض على ما قد يُصاب به أحدهم من نسيان أو وهم. فقد ورد عن عمر أنّه ردَّ حديث فاطمة بنت قيس، وورد عن علي عليه السلام ردّه لحديث من مات عنها زوجها. وهذا الفعل منهما نقد لمتن الحديثين، وما كان ردّهما لكذب الراوي، وإنّما لمخالفة حكم أو عمل معروف عندهما. تدوين الحديث: وإذا أردنا سرد الأدوار التي مرَّ بها تدوين الحديث لطال بنا الأمر، ولكن ممّا لا شك فيه أنّ التدوين بدأ في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كما تقدم، ثمّ في عهد الصحابة من بعده، وما كاد القرن الثاني ينقضي حتى كان التدوين قد جمع أغلب الحديث في الكتب والصحف المفردة، يرافق ذلك اتقان الحفظ والرواية على قواعد مقررة. والذي كان في القرن الثالث هو تجميع الحديث بأنواع مفردة على أبواب الفقه؛ مثل موطأ الإمام مالك، والمسندات للصحابة والمصنفات؛ كل على نمط ومنهج وأسلوب خاص به. وبعد ذلك استمر العمل في التوسع بالتقسيم والتجميع والشرح، مع مراعاة القواعد التي كانت تزداد تأصيلاً كلما أحسّ أهل العلم بالحاجة إليها، لضبط علوم السنّة والحديث وردّ الدسّ والدخيل، وهذا مستمرّ حتى يومنا هذا.