ـ(394)ـ وقد تولّى ردّ كلّ هذه المزاعم علماء كلّ زمن حتى يومنا هذا؛ فكلّما تقوم الشكوك تأتي الردود الدامغة، كما في السابق من الذين حفظوا علم السنّة. العناية بنقد المتن: وأما زعم هؤلاء الأعداء وأتباعهم، بأنّ النقد الداخلي للمتن ما جاء إلاّ في زمن عبقريّتهم فأمر يردّه الواقع، عند كلّ من يتتبّع كتب الحديث. والحقُّ الذي يراه كلّ منصف أنّ علماء الحديث وجهوا العناية اللازمة للنقد الخارجي للحديث، وبلغوا الغاية القصوى في النقد الداخلي لـه، إذ إنّهم ساروا في الطريقين معاً لأنّ أحدهما لا ينفصل عن الثاني، كما يعرف بالمدارسة والممّارسة. وليس بعيداً أنّ نقول: إنّ المتن في أغلب الأحيان كان هو الذي حرَّض على مراجعة السند للتأكد من صحة الحديث، وإنّ أحاديث الأجر الكبير على العمل الصغير كانت الدافع لمزيد البحث في سندها، إذ إنّ غرابة المتن كانت الكاشف عن علّة السند، وكذلك الكثير من أحاديث الفضائل، والأطعمة، والمغيّبات. ومثلها مخالفة متن الحديث للواقع والمشاهد من أحوال الناس، وأمثلة ذلك كثيرة، والمتتبّع يجد أنّ الصحيح منها لـه تخريج حسن يبعده عن مقاصد أعداء السنّة وسوء فهمهم، وأما غيرُ الصحيح منها فقد تولّى جهابذة هذا العلم ردّه من غير تردّد، وعندما لا يثبت فلا حاجة للتعليل. وهذه كتب الأحاديث الموضوعة على الخزائن تحت أيدي أهل العلم تنفي عن الحديث الدخيل والمكذوب. وكان تقسيم الأحاديث من المتواتر والصحيح، إلى الضعيف والموضوع يعتمد في نظرهم على ما في السند والمتن، وإذا اقتصر بعضهم على السند فقط يكون ذلك عنده لسبب اصطلاحي خاص به، ولكن حاجته إلى صحّة هذا المتن كانت تدفعه إلى الرجوع
