ـ(397)ـ وكلّ علوم الحديث نافعة دقيقة، وإذا وجد بعض الخلاف في النتائج بين عالم وآخر، فهو من طبيعة الأشياء. وأبرز ما نجد هذا عندنا في علم الجرح والتعديل، وإن كان اعتماد رجاله على النقول، فإنّ لهم فيه من الاجتهاد، وملكة التحليل، وتنوّع الذوق الخاصّ بكل ناقد، العذر بالتسليم لـه، والاجتهاد لا يردّ بمثله، ولكنهم كانوا أُمناء في نقل الأقوال من الجرح والتعديل مبيّنين لذلك، تاركين لمن بعدهم المشاركة في الحكم، أو المخالفة، وربّ جرح لا يكون جرحاً، أو تعديل لا يثبت، ولا يعتمد عقلاً ولا نقلاً، وهذا منهم الغاية في الإنصاف. الصحابة الكرام وروايات الأحاديث: وأمّا من استشكل عدالة الصحابة، فإنّه مطالب بإثبات الأحاديث التي كذب الصحابة في روايتها، وإنّ هذه الأحاديث في الكتب الستّة هي محلّ التسليم ولم يعترض عليها جهابذة العلماء. بل إنّ جميع الأحاديث التي كانت محلّ اعتراض، قد أُجيب عنها واستبان حالها ودخل الصحيح منها في الجادة، ونُبذَ ضعيفها، أو وُضّح ما أُسيء فهمه. مع أنّ الذي اعتمد ترك روايات الصحابة وقع في مثل اعترض عليه، سواء فيمن روى مباشرة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو مع الروايات التي جاءته بعد زمن طال أو قصر وتفرّق الناس في البلاد الشاسعة، وزيادة عدد الرواة وما داخل الناس من الخوف وأنواع الاضطرابات والعوامل الصارفة عن التيقن، وتفشّي ضعف النفوس والإيمان، وأكثر ذلك لم يكن معروفاً زمن الصحابة. وإنّ موضوع الصحابة - من هم، وما عددهم، ورواياتهم، ومحبتهم، ومناقشة أعمالهم، ونقدهم، ومن هو أولهم إسلاماً، ومن هو آخرهم وفاةً، ومن هو الأفضل، أو