المرونة وتصالح معهم في الحديبية فلمصلحة ملزمة في ذلك ولم يصغ إلى مقالة من قال: “أنعطي الدنية في ديننا ” وتصور انّ في الصلح تنازلاً عن الرسالة الإلهية والأهداف السامية وغفل عن آثاره البنّاءة التي كشف عنها سير الزمان كما هو مذكور في تاريخ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). التفسير الخاطئ لتأثير الزمان والمكان لاشكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة لمصالح ومفاسد في متعلقاتها فلا واجب إلا لمصلحة في فعله، ولا حرام إلا لمفسدة في اقترافه، انّ للتشريع الإسلامي نظاماً لا تعتريه الفوضى، وهذا الأصل وإن خالف فيه بعض المتكلّمين، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب الله وسنّة نبيه ونصوص خلفائه (عليهم السلام). ترى أنّه سبحانه يعلل حرمة الخمر والميسر بقوله: (إنّما يريد الشّيطانُ أن يوقِعَ بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصّلاة فهل أنتم مُنتهون)([86]). ويستدل على وجوب الصلاة بقوله سبحانه: (وأقِمِ الصلاة إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمُنكر) ([87]) إلى غير ذلك من الفرائض والمناهي التي أشير إلى ملاكات تشريعهما في الذكر الحكيم. وقد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “إنّ الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلا لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلا ما فيه الضرر والتلف والفساد ”.([88]) والآيات القرآنية تشهد بوضوح على ما قاله ذلك الإمام الطاهر حيث إنّها تعلّل تشريع الجهاد بقوله: (أُذِنَ للَّذين يقاتَلُونَ بانهم ظُلِمُوا)([89]) كما تعلّل القصاص بقوله: (ولكُم في القِصاصِ حياةٌ يا أولِي الألباب لعلّكُم تتّقون)([90]). إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ذلك بوضوح، ومع أنّ المعروف من الإمام الأشعري هو عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد بزعم انّ في القول بذلك تضييقاً