جرى عليه رسول الله والخليفة الأول وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمضي من الطلقات الثلاث إلا واحدة منها، وكان الأمر على هذا المنوال إلى سنتين من خلافة الخليفة الثاني، وسرعان ما عدل عن ذلك، قائلاً: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.([92]) إنّ من المعلوم أنّ إعمال الرأي فيما فيه نصّ من كتاب أو سنّة، أمر خاطئ، ولو صحّ إعماله فإنّما هو فيما لا نصّ فيه، ومع ذلك جاء الآخرون يبرّرونه بتغير الأحكام بالمصالح والمفاسد، لا سيما ابن قيم الجوزية، فقال: لمّا رأى الخليفة الثاني انّ مفسدة تتابع النصّ في إيقاع الطلاق لا تندفع إلا بإمضائها على الناس، ورأى مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الإيقاع، أمضى عمل الناس، وجعل الطلاق ثلاثاً، ثلاثاً.([93]) يلاحظ عليه: أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح والفساد، وأمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق آخر، لا عن طريق إمضاء ما ليس بمشروع مشروعاً. والعجب انّ ابن القيم التفت إلى ذلك، وقال: كان أسهل من ذلك (تصويب الطلقات ثلاثاً) أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرّمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه، ثمّ نقل عن عمر بن الخطاب ندامته على التصويب، قال: قال الخليفة الثاني: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث.([94]) وهنا كلمة للشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر حول عدّ الاجتهاد من مصادر التشريع حيث قال: ويشمل الاجتهاد أيضاً، النظر في تعرف حكم الحادثة عن طريق القواعد العامة وروح التشريع، التي عرفت من جزئيات الكتاب وتعرفات الرسول، وأخذت في نظر
