الشريعة مكانة النصوص القطعية التي يرجع إليها في تعرف الحكم للحوادث الجديدة. وهذا النوع هو المعروف بالاجتهاد عن طريق الرأي وتقدير المصالح. وقد رفع الإسلام بهذا الوضع جماعة المسلمين عن أن يخضعوا في أحكامهم وتصرفاتهم لغير الله، ومنحهم حق التفكير والنظر والترجيح واختيار الأًصلح في دائرة ما رسمه من الأُصول التشريعية، فلم يترك العقل وراء الأهواء والرغبات، ولم يقيده في كلّ شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شؤون الحياة، كما لم يلزم أهل أي عصر باجتهاد أهل عصر سابق دفعتهم اعتبارات خاصة إلى اختيار ما اختاروا.([95]) ما ذكره حقّ ليس وراءه شيء إلا انّي لا أوافق قوله: “ولم يقيده في كلّ شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شؤون الحياة ” فانّه هفوة من الأستاذ، إذ أي أصل وحكم شرعي منصوص لا يتفق مع ما يجدّ من شؤون الحياة. وليس ما ذكره إلا من قبيل تقديم المصلحة على النص، وهو تشريع محرم، وتقدّم على الله ورسوله، قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسولهِ)([96]). فالواجب على كلّ مسلم التجنب عن هذا النوع من الاستصلاح، نعم للاستصلاح صور متنوعة ذكرناها في الجزء الأول من تقديمنا على “موسوعة طبقات الفقهاء ”.([97]) دور الزمان والمكان في الأحكام الحكومية ثم إنّ ما ذكرناه يرجع إلى دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد والإفتاء، وأمّا دورهما في الأحكام الحكومية التي تدور مدار المصالح والمفاسد وليست من قبيل الأحكام الواقعية ولا الظاهرية، فلها باب واسع نأتي بكلام موجز فيه. إنّ تقدّم العناوين الثانوية على الأوّلية يحلّ العُقَد والمشاكل في مقامين: الأول: إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الواقعي الأوّلي والحكم الثانوي: فيقدّم الثاني على الأول، إمّا من باب الحكومة أو من باب التوفيق العرفي، كتقدّم لا ضرر
