وهذا يشعر بأن الكتاب المذكور منبع هداية لكل طالبي الحق، وفي مكان آخر أشار تعالى إلى هذه المعنى بعبارة أوضح من هذا فقال:(شهر رمضان الّذي انزل فيه القرآن هدى للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان)([5]). ولا يوجد دين من أديان العالم ما جاهر بعالميته، مثل ما جاهر الإسلام بهذا القدر من الإيضاح والبيان، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم عبر هذه المطلب بعبارته هذه: (كان كل نبي يبعث إلى قوم خاصة، وأنا بعثت إلى كل أحمر وأسود)([6]). وفي أي موضع من مواضع الكتاب والسنة، لم يتم توجيه الخطاب إلى بني إسماعيل أو إلى العرب بالتخصيص والتعيين، مثل ما وجه الخطاب في التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية إلى الأمم والأقوام الخاصة، حيث وجه الخطاب فيها إلى إسرائيل وبنيه، وأما القرآن فإنه يوجه الخطاب إلى البشرية جمعاء، ويقول:(يا أيّها النّاس) وربما يخاطبهم باعتبار انتمائهم الديني وانضمامهم إلى دين من الأديان بكلمات(المؤمنين) و(الكافرين) و(أهل الكتاب) ولم يخاطبهم أبدا بمنظور القومية والوطنية والعرقية، وهذا الجانب وحده يكفي لثبوت عالميته أو الاستدلال به عليها. الشريعة الإسلامية وتناسقها مع الفطرة البشرية والإسلام عدا عالميته يمتاز عن الأديان الأخرى بتناسقه وموافقته مع الفطرة البشرية، والمبدأ فيه أنه يجعل البشر أفضل خلق الله في الأرض وأشرفه وأكرمه، قال تعالى:(ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطّيبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا)([7]). ومن الناحية الخلقية أيضاً جعل قالب البشر وبنيته أنيق القوالب وأحسنها، قال تعالى:(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)([8]).
