أية مكرمة وعز وشرف يتصور أعلى وأفضل من أن جعله الله خليفته في الأرض، قال تعالى:(وإذا قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)([9]). والقرآن جعل البشر أصحاب كافة الموجودات في هذا الكون، وأدلى بأن المخلوقات برمّتها لم يتم إحداثها وإيجادها إلاّ لخدمة البشر، قال تعالى:(هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعا)([10]). وبناء على أنه خليفة الله في الأرض، يحق له أن يتصرف في هذه الموجودات في أطار الأحكام الإلهية وحدود الشريعة الإسلامية، قال تعالى:(وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)([11]). فلما أوجد الله جل شانه هذا الكون بمحتوياته، وسخره لخدمة البشر وكلفه على إسداء خدماته نحوه، وأنزل عن طريق نبيه تعليمات وتوجيهات للعشرة وإمضاء الحياة، فيستدعي هذا بالطبع أن المنزل العليم الخبير قد راعى في أوامره وأحكامه انسجامها وتناسقها مع الفطرة البشرية، والواقع أن تعاليم الإسلام ووصاياه تتوافق في كل خطوة وكل منعطف مع الفطرة البشرية، تطابق مواصفاتها وتعادل معيارها، من أجل ذلك جعل الله تبارك وتعالى الإسلام دين الفطرة، وقال:(فطرة الله الّتي فطر الناس عليها)([12]). ونفس هذه الفطرة قد عبرها القرآن في آياته بلفظه(الميزان) لأن الاتزان والوسطية التي أودعها الله تعالى في جميع موجودات هذا الكون، هي فطرة الكون الأصلية – المرأ عندما يبتعد عن الأحكام الشرعية وينعزل عنها فكأنه يطغى على ميزان الرب الذي أقامه، ويتمرد على مطالبه ويخرج عليها، قال تعالى:(إنّا أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط)([13]).