وميول الشريعة هذه، وصبغتها وطابعها الخاص هذا يبدو ويتلألأ في كل مكان وفي كل زاوية، مثل العقيدة والإيمان والعبادة والمعاملات والقضايا الاجتماعية والحيوية، والقوانين الاجتماعية والمعيشية وما إلى ذلك من الجوانب. وفي هذا الموطن يطيب لي أن أذكر بعض أمثلة يوضح هذا المعنى: 1- الأكل والشرب حاجة من حوائج الإنسان الفطرية فلا يمكن أن يبقى حياً إلاّ بهما، وبعض مذاهب العالم جعل هذا المطلب الفطري أيضاً حاجزا دون المراقى الروحية، وعائقا عن اجتياز مدارج الرقى والتطور الروحي، ففي الديانة الهندوسية يجب للتقرب إلى الإله والمعبود تحمل الجوع العطش، وعدم اتباع الوسائل لكسب المعاش على الأقل، وهي نظرية تتخذ بالغ الأهمية في هذه الديانة الهندوسية وتعم بين أفرادها، وعند النصارى لما غلبت الرهبانية على أهلها، فلم ير عندهم الأكل والشرب وكسب المعيشة بمنظار الاستحسان، وعلماء الديانة(بودها) يعولون حتى الآن على التكفف والتوسل أمام الناس، والذي يعبر بكلمة(دكهشا) في مصطلحها الديني، لكن الأكل والشرب حاجة ملحة للبشر وليست لسدها وسيلة ذات شرف وعز وكرامة إلاّ وسيلة كسب المعاش، من أجل ذلك وإن نهى الإسلام عن الإسراف والتبذير لكن أذن للأكل والشرب يرغد العيش، واتخاذ الوسائل لهما، بحرية وبساطة، قال تعالى:(كلوا واشربوا ولا تسرفوا انّه لا يحب المسرفين)([14]). وهكذا دعاهم وبعثهم على الاهتمام بكسب المعاش فقال تعالى:(فإذا قضيت الصّلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)([15]). والنبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم جعل كسب المعيشة من أهم الفرائض بعد تأدية حقوق الله، وقال: (طلب الحلال فريضة بعد الفريضة)([16]).
