أهل الإحسان فكيف يصنع المسيئون، وإن كان لا يفوز يوم الحشر إلاّ المتّقون فبمن يستغيث المذنبون. إلهي، إن كان لا يجوز على الصراط إلاّ من أجازته براءة عمله، فأنّى بالجواز لمن لم يتب إليك قبل حلول أجله. إلهي، إن حجب عن موحّديك نظر تعمّد لجناياتهم، أوقعهم غضبك بين المشركين في كرباتهم. إلهي، فأوجب لنا بالاسلام مذخور هباتك([379])، واستصف لنا ما كدّرته الجرائم بصفح صلاتك. إلهي، ارحم غربتنا إذا تضمّنتنا بطون لحودنا، وعُمّيت علينا باللبن سقوف بيوتنا، وأُضبحعنا على الإيمان في قبورنا، وخُلفنا فرادى في أضيق المضاجع، وصرعتنا المنايا في أنكر المصارع، وصرنا في ديار قوم كأنّها مأهولة وهي منهم بلاقع([380]). إلهي، فإذا جئناك عُراةً مغبرّةً من ثرى الأجداث([381]) رؤوسنا، وشاحبةً من تراب الملاحد وجوهنا، وخاشعةً من أهوال القيامة أبصارنا، وجائعةً من طول القيام بطوننا، وباديةً هناك للعيون سوآتنا، ومثقلةً من أعباء الأوزار ظهورنا، ومشغولين بما قد دهانا عن أهلينا وأولادنا، فلا تضاعف علينا المصائب بإعراض وجهك الكريم عنّا، وسلب عائدة ما مثّله الرجاء منّا. إلهي، ما حنّت هذه العيون إلى بكائها، ولا جادت متسرّبةً بمائها، ولا شهرت بنحيب المثكلات فقد عزائها، إلاّ لما سلف من نفورها وإبائها، وما دعاها إليه عواقب بلائها، وأنت القادر يا كريم على كشف غمائها([382]).