إلهي، ثبِّت حلاوة ما يستعذبه لساني من النطق في بلاغته بزهادة ما يرفعه قلبي من النصح في دلالته. إلهي، أمرت بالمعروف وأنت أولى به من المأمورين، وأمرت بصلة السُؤّال وأنت خير المسؤولين. إلهي، كيف يُقبل بنا اليأس عن الإمساك كما لهجنا بطلابه، وقد ادّرعنا من تأميلنا إيّاك أسبغ أثوابه؟ إلهي، إذا تلونا من صفاتك شديد العقاب أشفقنا([383])، وإذا تلونا منها الغفور الرحيم فرحنا، فنحن بين أمرين لا يؤمنّا سخطك، ولا تؤيسنا رحمتك إلهي، إن قصّرت بنا مساعينا عن استحقاق نظرك، فما قصّرت رحمتك بنا عن دفاع نقمتك. إلهي، كيف تفرح بصحبة الدنيا صدورنا، وكيف تلتئم في عمرانها أمورنا، وكيف يخلص فيها سرورنا، وكيف يملكنا باللهو واللعب غرورنا، وقد دعتنا باقتراب آجالنا قبورنا؟! إلهي، كيف نبتهج بدار حُفرت لنا فيها حفائر صرعتها، وقلّبتنا بأيدي المنايا حبائل غدرتها، وجرّعتنا مكرهين جُرع مرارتها، ودلّتنا العبر على انقطاع عيشتها؟! إلهي، فاليك نلتجئ من مكائد خدعتها، وبك نستعين على عبور قنطرتها، وبك تستعصم الجوارح على خلاف شهوتها، وبك نستكشف جلابيب حيرتها، وبك يقوّم من القلوب استصعاب جهالتها. إلهي، كيف للدور أن تمنع من فيها من طوارق الرزايا، وقد أُصيب في كلّ دار سهم من أسهم المنايا؟! إلهي ما نفجع بأنفسنا عن الديار إن لم توحشنا هناك من مرافقة الأبرار.
