إلهي، إذا هزّت الرهبة أفنان مخافتنا، انقلعت من الأُصول أشجارها، وإذا تنسّمت أرواح الرغبة منّا أغصان رجائنا، أينعت بتلقيح البشارة أثمارها. إلهي، إذا تلونا من صفاتك شديد العقاب أسفنا، وإذا تلونا منها الغفور الرحيم فرحنا، فنحن بين أمرين، فلا سخطتك تؤمننا، ولا رحمتك تؤيسنا. إلهي، إن قصرت مساعينا عن استحقاق نظرتك، فما قصرت رحمتك بنا عن دفاع نقمتك. إلهي، إنّك لم تزل علينا بحظوظ صنائعك منعماً، ولنا من بين الأقاليم مكرماً، وتلك عادتك اللطيفة في أهل الخيفة في سالفات الدهور وغابراتها، وخاليات الليالي وباقياتها. إلهي، اجعل ما حبوتنا به من نور هدايتك درجات نرقى بها إلى ما عرّفتنا من جنّتك. إلهي، كيف تفرح بصحبة الدنيا صدورنا، وكيف تلتئم في غمراتها أمورنا، وكيف يخلص لنا فيها سرورنا، وكيف يملكنا باللهو واللعب غرورنا، وقد دعتنا باقتراب الآجال قبورنا؟ إلهي، كيف نبتهج في دار قد حفرت لنا فيها حفائر صرعتها، وفتلت بأيدي المنايا حبائل غدرتها، وجرّعتنا مكرهين جرع مرارتها، ودلّتنا النفس على انقطاع عيشها لولا ما أصغت إليه هذه النفوس من رفائغ([395]) لذّتها، وافتتانها بالفانيات من فواحش زينتها؟ إلهي، فإليك نلتجئ من مكائد خدعتها، وبك نستعين على عبور قنطرتها، وبك نستفطم الجوارح عن أخلاف شهوتها، وبك نستكشف جلابيب حيرتها، وبك نقوّم من القلوب استصعاب جهالتها. إلهي، كيف للدور بأن تمنع من فيها من طوارق الرزايا، وقد أُصيب في كلّ دار سهم من أسهم المنايا؟
