الإجابة على السؤال الأوّل: ان المصلحة العامة واضحة في مفهومها العام كما هي واضحة في مفهومها الشرعي، فهي في المفهوم العام: «كل ما يعود على الأمة من خير يقوي وجودها ويساهم في أداء دورها الحضاري كخير أمة أخرجت للناس». وهي في مفهومها الشرعي «كل ما يحقق مقاصد الشريعة في الفرد والمجتمع». ويذكر الفقهاء منها: (حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ النسل) وواضح ان هذه الأمور تملك إطار أوسع إذا اريد منها المعنى الاجتماعي، فحفظ النفس ـ مثلاً هنا ـ يعني: «حماية الأمة ككل حتى ولو تطلب الأمر التضحية ببعض الافراد». والمهم هنا ان نعرف اننا لو ركزنا على المصلحة الفردية قلنا ان الفقيه تارة يدرك تماماً ان المصلحة تكمن في هذا العمل بلا منازع وبشكل قطعي، فهنا له ان يحكم بمطلوبية العمل ـ على اختلاف درجة المطلوبية ـ اما إذا ظن بالمصلحة او احتمل وجود مزاحم لها او احتمل فقدانها لبعض الشروط التي تمنع من تشريعها فإن هذه المصلحة ليست حجة عند الشيعة، وان كانت بعض المذاهب السنية تقول بحجيتها اما إذا عبرنا الأمر إلى المصلحة الاجتماعية فهي بلا ريب موكولة إلى الحاكم العادل المشاور لاهل الخبرة، ولا يحتاج هذا الحاكم إلى ان يقطع بشكل تام بها، بل يكفي الظن العرفي، باعتبار ان عنصر الادارة لا يقوم على القطعيات، وانما يقوم على أساس ما يدرك من المصالح العامة في إطار منطقة الفراغ التي تركها الشارع لولي الأمر كما سنوضح. اما ما طرحتموه من إمكان تجاوز حكم شرعي، بها فالجواب: ان هذا يعتمد على بحوث مدى الولاية التي يملكها الحاكم الشرعي فانتم تعلمون ان الافراد في إطار الاحكام الأوّلية لهم الحق كاملاً في الاستفادة من المباحات كما ان عليهم اداء التكاليف، ولكن لما كان حفظ النظم ورعاية المصالح المتغيرة للامة، والشروط الحادثة يحتاج إلى قيادة واعية للتجربة الإسلامية ولاساليب تطبيق الإسلام، وتنفيذ أوامره وحدوده، والدفاع عن كيانه، فقد جاءت مسألة الحكومة، ولا ريب في ان الحكومة بلا ولاية امر غير متصور لان الأمر يتطلب ان يقوم الحاكم بتحديد بعض الحريات الفردية لمصالح المجتمع، والمنع من بعض المباحات او الأمر بها، لتحقيق الوئام الاجتماعي المطلوب، ولما كان اكثر علماء المسلمين يشترطون الفقه في الحاكم، فقد جاء مصطلح (ولاية الحاكم الفقيه) ليقوم بهذا الدور. أما حدود هذه الولاية: فهي كما بيناها في كتابنا (الدولة الإسلامية) تشمل مساحة