ونستنتج من هذا أنّ الفطرة الإنسانية تحكم بنوعين من الحكم: أحدهما مطلق من قبيل: العدالة نفسها وطاعة الخالق الحكيم. والثاني مقيد ونسبي من قبيل: الصدق والسلام. فقد يكون الصدق في بعض الأماكن نتيجة مايؤول إليه من تبعات ظلماً لاعدالة، وكذلك السلام أحياناً بمايؤدي إليه من جراة على حرمات الإنسانية فإذا كانت العدالة قيمة مطلقة فإنّ السلام قيمة نسبية نعمل على تحقيقها إذا عادت وجهاً من وجوه العدالة، ونرفضها إن كانت ظلماً ولكن التساؤل الأساس هو: ما هي معايير العدالة؟ وكيف نتأكد من تحققها؟ أنّ الأديان السماوية كلها تؤكد على معيارين: الأوّل: معيار تعبدي نستفيد فيه من علم العالم المطلق، وهو الله تعالى وهو تعاليمات الدين الثابتة، والتي نتأكد من كونها صادرة من الله سبحانه ذلك إنّنا نتأكد قبل ذلك من علم الله الشامل، ومن لطفه ورحمته بالإنسان المخلوق ومن عدالته تمتعه بكل صفات الكمال فهو لايريد بالإنسان إلاّ الخير ولايخدع الإنسان إنّما يكشف له كل الواقع ويريد له كل الخير. الثاني: معيار وجداني يكفي فيه الرجوع إلى الفطرة نفسها. وما يساعدنا في اكتشاف العمق النظري هو كون هذه القناعة ـ أيّة قناعة كانت ـ من ملازمات البيعة الإنسانية ولذلك نجدها متوفرة لدى كل أبناء الإنسان في مختلف ظروفهم حالاتهم الفردية والاجتماعية وأزمنتهم وأمكنتهم. ولكي نتأكد من هذا المعنى نستطيع أن نطرح هذا السؤال على أيّ إنسان «هل تعتبر أنّ السلوك الفلاني سلوكاً انسانياً أم سلوكاً حيوانياً مثلا: قتل اليتامى والعجزة المستضعفين للتلهي والتشهي؟» مثل هذا السلوك يعد سلوكاً وحشياً من قبل أيّ إنسان بلاريب والقرآن الكريم أحياناً يعيد الإنسان إلى تأمله الوجداني وقناعته الفطرية; (احل لكم الطيبات)[242] ويترك أمر تعيين الطيبات الإنسان; (إنّما حرّم ربّى الفواحش)[243] ويترك أمر تعيين الفواحش أيضاً ويعتبر الخروج عن الحالة الإنسانية (فسقاً) وانحرافاً عن
