الطبيعة; (نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون)[244]. وهكذا ننتهي إلى هذه الحقيقة وهي: أنّ الأديان تؤمن بالفطرة الإنسانية، وأنّ الفطرة تقرر كون العدالة مطلوباً مطلقاً وكون السلام مطلوباً إذا شكل مصداقاً من مصاديق العدالة وتجلياً لها ومن هنا كان التأكيد الدائم على (السلام العادل) تأكيداً إنسانياً صحيحاً. السلام العالمي والموقف منه قلنا لاريب في كون الأمان مطلباً إنسانياً فطرياً يستمد جذوره من أهم غريزة وجدت في فطرة الإنسان، وهي غريزة «حب الذات». وهذه الغريزة تعمل مع باقي الغرائز بشكل متناسق لتحقيق سير يإنساني متوازن نحو الأهداف التكاملية العليا للإنسان... فلا يكفي وجود الدوافع الغريزية لتأمين المسير المتوازن وإنّما يجب تأمين جوّ طبيعي للذات الفردية وللذات النوعية كي تدفعها تلك الدوافع نحو افاقها المنشودة. وتأكيداً من الفطرة نفسها على توفير الجو الآمن، نجد العناية الإلهية قد غرست فيها بديهيات الحكمة، والميول نحو العدل، والنفور من الظلم والاعتداء، بل ومنحتها القدرة على تعيين الكثير من مصاديق العدل والظلم، ممّا يمهد لها السبيل للاتصال بالخالق العظيم وتقديم معاني الولاء له، وحينئذ تنفتح لها افاق الوحي. فيجب إذن التفاهم حول هذه العلاقة نظرياً لنصل إلى التفاهم حول المصاديق. النقطة الرابعة: المحورية الحضارية من الطبيعي جداً أن يقدم الإسلام نفسه محوراً وأنموذجاً للحضارة الإنسانية باعتباره خاتمة النماذج الحضارية، التي قدمها خالق الإنسان بمقتضى لطفه واعتبر الأمة الإسلامية النموذج والشاهد على كلّ الناس: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)[245].
