[ 35 ] كثيرا مما فرض رفعه في الحديث امور تكوينية ثابتة وجدانا، ومن هنا كان لا بد من بذل عناية في تصحيح هذا الرفع، وذلك اما بالتقدير بحيث يكون المرفوع امرا مقدرا قابلا للرفع حقيقة كالمؤاخذة مثلا، واما بجعل الرفع منصبا على نفس الاشياء المذكورة ولكن بلحاظ وجودها في علم التشريع بالنحو المناسب من الوجود لموضوع الحكم ومتعلقه في هذا العالم، فشرب الخمر المضطر إليه يرفع وجوده التشريعي بما هو متعلق للحرمة وروح ذلك رفع الحكم، واما بصب الرفع على نفس الاشياء المذكورة بوجوداتها التكوينية ولكن يفترض ان الرفع تنزيلي وليس حقيقيا فالشرب المذكور نزل منزلة العدم خارجا فلا حرمة ولا حد. ولا شك في ان دليل الرفع على الاحتمالات الثلاثة جميعا يعتبر حاكما على ادلة الاحكام الاولية باعتبار نظره إليها، وهذا النظر اما ان يكون إلى جانب الموضوع من تلك الادلة كما هو الحال على الاحتمال الثالث فيكون على وزان (لا ربا بين الوالد وولده)، أو يكون إلى جانب المحمول اي الحكم مباشرة كما هو الحال على الاحتمال الاول إذا قدرنا الحكم فيكون على وزان (لا ضرر)، أو يكون إلى جانب المحمول ولكن منظورا إليه بنظر عنائي كما هو الحال على الاحتمال الثاني لان النظر فيه إلى الثبوت التشريعي للموضوع وهو عين الثبوت التشريعي للحكم فيكون على وزان (لا رهبانية في الاسلام). والظاهر ان ابعد الاحتمالات الثلاثة الاحتمال الاول لانه منفي باصالة عدم التقدير. فان قيل: كما ان التقدير عناية كذلك توجيه الرفع إلى الوجود التشريعي مثلا. كان الجواب: ان هذه عناية يقتضيها نفس ظهور حال الشارع في ان الرفع صادر منه بما هو شارع وبما هو انشاء لا اخبار بخلاف عناية التقدير فانها خلاف الاصل حتى في كلام الشارع بما هو مستعمل، كما ان الظاهر ان الاحتمال الثاني اقرب من الثالث لان بعض المرفوعات مما ليس له وجود خارجي ليتعقل في شأنه رفعه بمعنى تنزيل وجوده الخارجي منزلة العدم كما في (ما لا يطيقون). فالمتعين اذن هو الاحتمال الثاني. ________________________________________