[ 104 ] أمنيتك من التشويه بالتمويه على كثير من الناس فصدهم عنها بغروره وفتنته فان الرسل والانبياء كانوا باجمعهم يتمنون لاهل الارض عامة أن يكونوا على هدى من ربهم، وكانوا بأسرهم يتمنون لمن آمنوا بهم أن يخلصوا لله اخلاصا حقيقيا لا تشوبه شائبة، وكانت قصارى امانيهم أن تتفق اممهم على هديهم فلا يختلف في ذلك منهم اثنان، لكن الشيطان كان يلقى في هذه الاماني الشريفة من وسوسته ما يخدعهم عنها فلم تتحقق أمانيهم إلا قليلا حتى افترقت امة موسى احدى وسبعين فرقة، وافترقت امة عيسى اثنين وسبعين فرقة، وهكذا امم الانبياء كافة لم تتحقق فيهم أماني رسلهم بسبب ما يلقيه الشيطان فيها من التشويه بالتمويه، فلا يكبرن عليك (يا محمد) مامنيت به في أمانيك المقدسة حيث لم تتحقق في كثير من الاوقات بسبب ما يلقيه الشيطان فيها من التشويه الموجب لصرف كثير من الناس عنها ولك أسوة حسنة في هذا بجميع من كان قبلك من الرسل والانبياء فانك وإياهم في هذا الامر شرع سواء، سنة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا. وحيث كان صلى الله عليه وآله مشفقا من أباطيل الشيطان أن تظهر على الحق أمنه عزوجل منهذه الناحية إذ قال: (فينسخ الله) أي فيزيل الله (ما يلقي الشيطان) في أمانيك وأماني الرسل والانبياء من تشويهها بتمويهه الذي لا يثبت أمام الحق الساطع والبرهان القاطع ابدا ثم بشره بظهور الحق الذي جاء به عن ربه. وجاءت به الرسل والانبياء من قبله وبقائه محكما فقال وقوله الحق ووعده الصدق (ثم يحكم الله آياته) أي يتقنها كما قال في مقام آخر (ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون). وألوا الالباب يعلمون ان ليس المراد من النسخ والاحكام هنا معناها المصطلح عليه في عرف المفسرين، وإنما المراد من النسخ والاحكام في هذه الآية معناها اللغوي، فالنسخ بمعنى الازالة والاحكام بمعنى الاتقان ________________________________________