[ 105 ] وهذه الآية في نسخها وإحكامها ليست إلا كقوله تعالى: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال). ثم لمزيد عنايت عز وعلا بنبيه الفته إلى ما يوجب له مزيد الطمأنينة بفوز الانبياء وخزى الشيطان فقال (والله عليم حكيم) وسع كل شئ علما وحكمة يعلم اخلاص الرسل والانبياء في أمانيهم فيمدهم بروح القدس من عنده ويبوئهم مبوأ صدق من كرامته ويعلم عداوة الشيطان لله ولرسوله ولعباده بما يلقيه من التشويه في أماني الرسل والانبياء فيخزيه بخبث سريرته ولؤم علانيته على ما تقتضيه الحكمة من كرامة من يستحق الكرامة وخزي من يستحق الخزي فان الحكمة وضع الامور مواضعها. وشاءت حكمته تعالى ان يميز الخبيث من الطيب من عباده فابتلاهم بالغرور الرجيم يلقى التشويه في أماني الرسل والانبياء (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة) اي اختبارا وتمحيصا (الذين في قلوبهم مرض) من النفاق (والقاسية قلوبهم) لا تلين لذكر الله وما نزل من الحق إذ ران عليها ما سول الشيطان لهم من الكفر فحجبها عن نور الايمان والهدى (وان الظالمين) من المنافقين والكفار (لفي شقاق بعيد) أي في عداوة لله ولرسوله لا أجل لها قد اعمت عن الحق ابصارهم واصمت اسماعهم ورانت على قلوبهم، ونعقوا بسببها مع كل ناعق من الشيطان (وليعلم الذين اوتوا العلم) بوحدانية الله وحكمته وبعثة الرسل والانبياء (انه الحق من ربك ليؤمنوا به) غير آبهين بالشيطان ولا بشئ من تهويله وتضليله. وبالجملة: فان الله سبحانه شاءت حكمته ان يميز الخبيث من الطيب فامتحن الناس بما قلناه فازداد الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم مرضا وقسوة وازداد المؤمنين ايمانا ويقينا، فقوله عزوجل: ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة إلى ان قال: وليعلم الذين اوتوا العلم، جاري مجرى قوله تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله ________________________________________
