[ 95 ] كما علمت حظ في ادراك الامور الكلية بل لا تدرك الا الامور الحاضرة المحسوسة الجزئية أو (1) المتعلقة بالمحسوس وكان الغالب ان وجود الابناء وغالب حياتهم وتصرفاتهم في زمان غير زمان الاباء لا جرم كانت نفوسهم اكثر انفعالا واطوع لاخلاق زمانهم وعاداتهم وزيهم وحالاتهم منها لعادات الاباء وحالاتهم لمكان المشاهدة للحال الحاضرة والمنادمة والاتصال والمعاشرة والغفلة عن حال الاباء لاقلية معاشرتهم ومصاحبتهم لتقضيهم واقلية وجودهم في زمان وجود الابناء حتى ان انسانا لو عاشر ابا صالحا وتأدب بآدابه وتخلق بأخلاقه ثم فقده وعاشر من له ضد تلك الاخلاق فانه ربما استنكرها في اول الصحبة ثم ان نفسه بعد حين تنفعل عن تلك الاخلاق وتكتسبها لكثرة مشاهدتها وتكررها على قوى الحس وعقلة (2) النفس بها وتحلل الاخلاق الاولى على التدريج فربما انسلخ بالكلية عن تلك الاخلاق الصالحة الى التكيف بضدها وبالعكس وكذلك لو كان لابيه صنعة (3) مستحسنة في وجوده أو لباس يليق بحاله من اهل زمانه وكذلك سائر العادات التى يعتادها ذلك الاب ويتخلق بها ويليق بحاله في وقته ثم نشأ ولده في وقت آخر بين آخرين المنكرين للزى الاول ومستحسنين لزى ثان وعادة قد اكتسبوها غير الاولى فانه لا يتزيا الا بذلك الزى ولا يغير تلك العادة ولا يتخلق بغير الاخلاق الحاضرة دون اخلاق آبائه وعاداتهم، ولو فرضنا انه نشأ عليها وتزيا بها مدة وتكلف البقاء عليها فان طبعه لابد وان يقوده الى العادات والاخلاق الحاضرة اما كلها أو بعضها وليس ذلك الا لما قلناه من من كثرة المشاهدة والاطلاع الحسى على الامور الحاضرة التى عليها أهل زمانه وانفعال النفس بها وغفلتها عن الاحتراز بمراجعة العقل في مراعاة أنفع تلك الاخلاق الماضية واحاضرة في امر المعاش والمعاد واكتسابه (4) واعتبار أضر تلك الادات والحالات فيهما ________________________________________ (1) - ج: " و ". (2) - كأنه بضم العين المهملة وسكون القاف ويمكن ان يكون مقلوب ومصحف " علقة " فيكون كالالفة بالشئ وزنا ومعنى وللعقلة ايضا هنا معنى مناسب لانه يقال: " لفلان عقلة يعقل بها الناس، وهى ما يعقل به كالقيد أو العقال. (3) - ج: " صفه ". (4) - في النسخ: " واقتنائة. ________________________________________
