[ 108 ] النفس الوقوف عن الاعمال ويصير ذلك ملكة لها الى غير ذلك من الاسباب، والملول هو من حصلت لنفسه ملكة ذلك الانصراف والالتفات وكثرته لكثرة عروض اسبابه، وإذا عرفت ذلك عرفت ان فضيلة الوفاء لا توجد لنفس الملول لانه إذا تكيف بهذه الملكة لم يتمكن من اتمام امر فضلا عن حسن القيام به والمواظبة عليه وكان داخلا في زمرة الغادرين وكان ذلك موجبا لتنفر طباع الخلق عنه في المعاملات حتى انه لو كان صاحب حرفة أو سالكا لطريق (1) العلم لم يمكنه ان يتوصل بشئ من هذه الاسباب الى اصلاح معاش أو معاد بل كان اسوأ حالا من أصحاب البطالة لانهم ربحوا الراحة عن الحركات المتعبة في تعلم تلك الطرق (2) والصنائع. وفى هذه الكلمة تنبيه للملول على وجوب معالجة نفسه والاجتهاد في حل عقدة الملال بتحصيل أضداد أسبابه والتعويد لها والتمرن عليها ليمكن ان تحصل له ملكة الوفاء التى هي من الفضائل العظيمة وهى محمودة بكل لسان ومستحسنة عند كل عاقل ويعترف بها كل انسان وان قل حظه من الانسانية وتجدها موجودة في اصناف الخلق كالروم والحبشة والنوبة وكثير من اجناس (3) العبيد (4). وقابلها الغدر في جميع ما ذكرنا اعني انه مذموم بكل لسان ينفر السامع من ذكره ويانف منه كثير من اجناس العبيد. وشرف الشئ يبين من خساسة ضده وقد أثنى الله تعالى على صاحب هذه الفضيلة في مواضع من كتابه قال تعالى: والذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (5) وقال: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا (6) وقال تعالى في الامر به: واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها (7) وقد تمدح تعالى باثبات ________________________________________ (1) - ب ج د: " بطريق ". (2) - كذا في النسخ واظن انه: " الحرف ". (3) - ج د: " اصناف ". (4) - ب: " كثير من العبيد ". (5) - آية 20 سورة الرعد. (6) - من آية 177 سورة البقرة. (7) - صدر آية 91 سورة النحل. ________________________________________