[ 114 ] ذلك كافيا في تفاوت الشدة فيهما وفارقا في قوة التعب بينهما فان توهمت ان هذا الاستشعار لا يتم أو لا ينتفع به فانظر الى استشعارات الخلق في مطالبهم ومعايشهم تر عيانا فرح المتعيشين بمعايشهم على تفاوتها وسرور المحترفين بحرفهم على تباينها، وتصفح ذلك في كل طبقة منهم فانه لا يخفى عليك فرح كل احد منهم بما هو فيه، وليس ذلك الا لقوة استشعار كل قوم بحسن طريقتهم ولزومهم لها بالعادة الطويلة، فإذا لزم طالب الفضيلة مذهبه وقوى استشعاره وطالت عادته بذلك كان اولى بالسرور من هذه الطبقات الذين يخبطون في الجهالات وأخفهم مؤنة وأقلهم تعبا وأحظاهم بالنعيم المقيم لانه محق وهم مبطلون، ومتيقن وهم ظانون، وهو ولى الله وهم أعداؤه، الا ان اولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون (1) وإذا تبنيت غاية الجازع والصابر فما اظنك بشاك في صحة هذه القضية وصدقها، والله ولى الاعانة. الكلمة الثامنة عشر قوله عليه السلام: الذل مع الطمع. اقول: قد عرفت ان الذل هو المهانة وهى انقهار النفس واستجابتها وانفعالها عن الامور الصادرة (2) عليها، واما الطمع فهو قوة نزوع الشهوة الى طلب شئ مع تصور امكانه للطالب، واعلم ان الطمع قد يكون محمودا وقد يكون مذموما، فالمحمود هو ماكان طمعا في تحصيل أمر باق مما يكون كمالا للنفس أو وسيلة إليه، وعليه يحمل قوله عز وجل حكاية عن الخليل عليه السلام: والذى أطمع ان يغفر لى خطيئتي يوم الدين (3) وأمثاله، والمذموم هو ما كان طمعا في تحصيل ما لا ينبغى من الاستكثار في المقتنيات ________________________________________ 1 - اية 62 سورة يونس 2 - ج: " الصادة " والظاهر: عنها. (3) - آية 82 سورة الشعراء. ________________________________________
