[ 130 ] الكلمة الثامنة والعشرون قوله عليه السلام: أوحش الوحشة العجب. اقول: الوحشة نفرة طبيعية تعرض للحيوان عن تصور الموذى، وتقابل الانس تقابل الضدين، واما العجب فهو ظن كاذب بالنفس في استحقاق مرتبة هي غير مستحقة لها، ولما كانت الوحشة مقولة بالتشكيك على ما تحتها، إذ (1) كان من الوحشة ما هو أشد ومنها ما هو أضعف ظهر حينئذان تقدير القضية: " اشد درجات الوحشة وأبعدها عن الانس العجب " واعلم ان العجب نفسه (2) ليس بوحشة فيعود التقدير الى " ان اوحش الوحشة مسبب عن العجب ولازم له " فأطلق لفظ العجب عليه مجازا كما سبق بيان مثله، إذا عرفت فنقول: اما برهان سببية العجب للوحشة فلان المعجب بنفسه إذا اعتقد ماله على غيره من الفضيلة فهو وان أكذب نفسه فيها في بعض الاحوال الا انه كثيرا ما يبعثه (3) الالتذاذ بتصور تلك المرتبة ولوازمها وتخيل زينة نفسه بها وتميزها عن اغيارها (4) بسببها على اكذابها (5) فيعبر (6) الى حد التيه فيتيه ويتجبر على غيره ويستنقص ابناء نوعه لتصور التفرد بالمرتبة التى لنفسه فكان ذلك سببا لتنفر (7) طباع الخلق عنه ووحشته منه من وجهين: احدهما - انا بينا ان التواضع ولين الجانب واظهار النقص من الكمال لنفسه تقريرا للتواضع وبسطا من طباع الاخوان مميل لطباعهم إليه وموجب للالفة الموجبة للانس والمحبة فكان التيه والعجب وما يصحبهما من اضداد ما ذكرنا موجبين للنفرة الطبيعية المستلزمة للتباين المستلزم للوحشة والانقطاع وعدم المحبة. ________________________________________ (1) - ب: " إذا ". (2) - ا: " ان الانس وحده ". (3) - في النسخ: " تشغله " فالتصحيح نظرى. (4) ج د: " على اعتبارها ". (5) - د: " على اكذبها ". (6) - ج د: " فتصير ". (7) - ا ب: " لتنفير ". ________________________________________