[ 36 ] بيان الاول ان الزهد الحقيقي (1) هو اعراض النفس عما يشغل سرها عن التوجه الى (2) القبلة الحقيقية وظاهر كونه معينا على الغرض الاول، واما كون المواظبة على العبادات معينا على الغرض الثاني فظاهر أيضا لانها رياضة ما لقوى العابد العارف المدركة والمحركة لتجرها بالتعويد عن الجنبة السافلة الى جناب (3) القدس (4) وكسر الهمة المتعلقة بما يضاد الكمال الذاتي، وانما اعتبرنا الزهد الحقيقي دون الظاهرى لان الاعراض عن المشتهيات البدنية إذا كان بحسب الظاهر فقط مع ميل القلب إليها لم ينتفع به لقوله صلى الله عليه وآله ان الله لا ينظر الى صوركم ولا الى اعمالكم ولكن ينظر الى قلوبكم، نعم وان كان لابد للسالك في مبدء الامر من الزهد الظاهرى لان الزهد الحقيقي مشروط به اولا وقد اتفق على ان: الرياء قنطرة الاخلاص، واما العبادات فأجملها (5) ماكان مشفوعا بالفكر المناسب وفائدة ذلك ان الغرض من العبادة تذكر المعبود الحق والمجردين (6) من الملائكة وذلك مما لا يتأتى الا بالفكر فلاجرم وجوب كونها مشفوعة به، وان كان لتلك الاغراض متممات اخر ومعينات كالكلام الواعظ من قائل زكى معتقد فيه، والالحان المناسبة البريئة عن التعود بمخالطة اللذات الخسيسة، وعن الايقاع في مجالس الانذال واجتماعاتهم لقبيح ما يفعل، وغير ذلك مما هو مذكور في مظانه فقد لاح لك حينئذ الغرض من الزهد والعبادة وكيفية تأديهما الى المطلوب الاصلى. ________________________________________ (1) - هذا المبحث مأخوذ من الشفاء (النمط التاسع) ونص عبارته: " تنبيه - الزهد عند غير العارف معاملة ما كأنه يشترى بمتاع الدنيا متاع الاخرة، وعند العارف تنزه ما عما يشغل سره عن الحق وتكبر على كل شئ غير الحق، والعبادة عند غير العارف معاملة ما كأنه يعمل في الدنيا لاجرة ياخذها في الاخرة هي الاجر والثواب، وعند العارف رياضة ما لهممة وقوى نفسه المتوهمة والمتخيلة لتجرها بالتعويد عن جناب الغرور الى الحق فتصير مسالمة للسر الباطن (الى آخر ما قال). (2) - جميع النسخ " عن ". (3) - ا ب: " الجناب ". (4) - ب ج د: " المقدس ". (5) - ب ج: " فاجلها ". (6) - ا: " والمجرد ". ________________________________________
