[ 37 ] البحث الثالث في غرض غير العارف من الزهد والعبادة وغرضه منهما ومن عرفانه الزهد والعبادة عند غير العارف معاملتان، اما الزهد فلان مطلوب غير العارف منه ان يشترى بمتاع الدنيا متاع الاخرة، واما العبادة فلان غرضه منها ان يأخذ الاجرة عليها في الاخرة، واما غرض العارف منهما فقد سبق بيانه، اما من الزهد فالتفات القلب عن (1) ما سوى الله لئلا يمنعه من الاستغراق في محبته، وترك اخس المطلوبين لاشرفهما واجب في اوائل العقول، واما من العبادة فان تصير القوى البدنية مراضة تحت قياد (2) - النفس في توجهها الى مطلوبها الاصلى من الاستغراق في بحور الجلال لئلا يمنعها عن ذلك بالاشتغال بالامور المضادة له، واما غرضه من عرفانه فليس الا الحق لذاته لا غيره حتى العرفان فانه امر اضافي يقال بالنسبة الى المعروف فهو مغاير للمعروف لا محالة، فلو كان غرض العارف نفس العرفان لم يكن من مخلصي التوحيد لانه قد اراد مع الحق غيره وهذه حال المتبجح بزينة في ذاته، فاما من عرف الحق وغاب عن ذاته كما ستعرف فهو لا محالة غائب عن العرفان واجد للمعروف فقط، وهو السابح لجة الوصول وهناك درجات التحلية بالامور الوجودية التى هي النعوت الالهية وهى غير متناهية واليها اشير في الكتاب العزيز: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل ان تنفذ كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا (3) والله ولى الخلاص وله منتهى الاخلاص. البحث الرابع في درجات حركات العارفين فالاولى من تلك الدرجات الحركة التى تسمى في عرف اهل الطريقة بالارادة، وذلك انه إذا حصل للانسان اعتقاد ان السعادة التامة بالاقبال على الله تعالى وبالاعراض عما سواه كان ذلك الاعتقاد برهانيا أو تقليديا أو بحسب الجبلة، فانه ________________________________________ (1) - في جميع النسخ " الى ". (2) - ج د: " مبادى ". (3) - آية 109 سورة الكهف. ________________________________________
